Posted by: إدارة موقع رأس كتان | يونيو 6, 2008

بتوش الحلوة

يصعب الحديث عن أي رواية لعزيز نيسن دون أن تبدأ بعبارات الاعجاب بذلك الروائي العبقري
بالنسبة لي أشعر أن اكثر ما يميز عزيز نيسن هو أنه كاتب للحياة التي يجعلك تعيشها من خلال كلماته
وكأنك داخل الرواية شاهداً على أحداثها ….
فتشعر بالشفقة و الاعجاب و الاثارة و الحب و الحزن و الفرح و انت تتجول بين أحداث روايته .
صدقه في نقل الحياة كما هي على الورق يساعدك على أن تفهم الحياة بشكل أفضل و أعمق
فمن يقرأ لعزيز نيسن لا يتسلى فقط بل يخرج بقناعات و خبرات و معلومات جديدة
قد لا يتسنى له الحصول عليها بشكل عملي …..
و من ابداعه أنه يروي أكثر القصص مأساوية بقالب ظريف مستخدماً السخرية الضمنية
لن أطيل أكثر فمهما تكلمت لن أفي عزيز نيسن حقه .
تحية لمبدع لا يشبه أحداً سوى الحياة

نشرت هذه الرواية للمرة الأولى عام 1958على حلقات في جريدة – الصحيفة الجديدة -
تحت عنوان مدام عملة صعبة ثم نشرت مرتين أخريين في مجلة Tif و Akbaba
تحت عنوان للبحث عن وريثة
و أخيراً نشرت عام 1973 في صيغتها النهائية بعد إجراء تعديلات عليها
و ذلك إثر الانتهاء من نشرها في مجلة Baris تحت عنوانها الجديد بتوش الحلوة .
إنها الرواية الأهم في أعمال عزيز نيسن وتعتبر إلى الآن الأكثر مبيعاً بين أعماله الأخرى
لأنها تتناول جوهر الحياة و الصراع في فترة كان العالم كله يبنى بعد دمار هائل .

عندما قرأت العنوان قفزت إلى مخيلتي شخصيات كثيرة
لكن خيالي الواسع لم يتسع لشخصية بتول التي تسمى ببتوش الحلوة
بالاضافة إلى أسماء عديدة أخرى اكتسبتها خلال حياتها المثيرة المليئة بالأحداث ….
تبدأ الرواية في خبر في جريدة مفاده أن أقارب المدعوة وردة
التي وهبها والدها عندما كانت صغيرة لعائلة طبيب كي تصبح ابنتهم بالتنبني
يبحثون عنها لأنها قد ورثت عن عمها مبلغا يقدر بعشرين مليون ….
ثم يظهر محمود ابن أخيها و هو يبحث عن عمته وردة في أرجاء تركيا
وتتوالى احداث الرواية حيث كلما التقى محمود بأحد يعرف عمته
كان يروي له قصته معها كاشفاً بذلك جانبا ً من جوانب شخصية بتول
و فاضحاً سراً من أسرار الحياة التي تركزت في شخصيات المجتمع الراقي آن ذاك …..
كل قصة مفردة تصلح لتكون رواية مستقلة بحد ذاتها
و دوماً يفلح عزيز نيسن في كشف خفايا النفوس
ووصف أدق المشاعر و أصعبها بأسلوب فريد
من خلال تصرفات بطلة الرواية ومن مر في حياتها
تماماً كمن يعري المجتمع في تلك الحقبة و يرسم أخطاؤه بدقة ووضوح ……
لن أحرق الرواية بذكر التفاصيل أو المجريات لأنها تستحق القراءة
و تستحق أن تكتشفوا بأنفسكم تطورها حتى الذروة
و نهايتها التي تترك في النفس أثراً عميقاً .
أجمل ما تعلمته من هذه الرواية
هو ألا أنظر إلى أخطاء الناس أو ايجابياتهم بمعزل عن حياتهم و مجرياتها
الانسان حصيلة ما يعيشه وما يتعلمه وما يريد أن يكونه و نتاج انتصاراته و خيباته

كالعادة انتقيت بعض الجمل و دونتها في دفتري و أحب أن أشارككم بها :

كما أن المرء عندما تدخل في عينيه سيخين من نار , يصبح أعمى ,
فإن نبع الحب ينضب إذا خدع االمرء من قبل أول حبيب أحبه قلبه .

الأسطورة عبارة عن عدم
يكبر مثل كرة الثلج
و لا ترجع عدماً إلا أذا سحقت نفسها بنفسها .

ما أشد يأس المرء و هو يتدحرج في الفراغ
فيحاول التمسك بأوراق تتطاير وتتساقط حوله , ما أرعب ذلك !

ليست ثمة أي لطخة مثيرة للندم في ماضينا
تعجز الدموع عن غسلها و إزالتها .

أن تعيش الشعر أجمل بكثير من كتابته .

يمكن لرواية أن تؤثر فينا بمقدار ما نجد أنفسنا و أمانينا فيها .

لم تبتكر العطور لاخفاء الروائح الكريهة
و إنما ابتكرت لترش على الأجساد النظيفة .

كلما عرفت البشر أكثر كلما أحببت الحيوانات أكثر .

على المرء ألا يقول ماذا كنت
عليه أن يقول إلى أين المآل .

قال الأجداد :
العبادة سراً و الإثم سراً

وحده الله لا يسقط .
وهذه بعض المقتطفات الهامة :

قالت لي أن الرجال الذين دخلوا حياتها أساؤوا إليها كثيراً , هذا صحيح , لكنهم نفعوها أيضاً
إذ جعلوها أكثر تسامحاً و تفهماً و إلا لما تفهمتني الآن .
ثم أضافت
أنه لا معنى من هروبنا من المحيط الذي نحن فيه , لأننا على كل حال لن نتمكن من الهروب من أنفسنا
ما دمنا نأخذ أنفسنا و ذكرياتنا إلى كل مكان نذهب إليه .

قالت أن ثمة حقائق فظة و قبيحة جداً نتجنب الكلام عنها , و لكننا لا نتخلص من حضورها بتجاهلها , لأنها هي الحياة نفسها .الفن أيضاً يتهرب من تلك الحقائق القبيحة التي لا مفر منها .
مثلاً هل تجد أي تعبيرفني عن دخول الناس إلى المرحاض في الرواية أو المسرح أو السينما ؟

لما دوماً يكيلون لي الاتهامات ؟
كثيراً ما فكرت بسبب لهذا ..إنهم في الغالب يتهمونني بذنوب ارتكبوها هم ,
أو أيضاً بذنوب لم يجرؤ على ارتكابها و بذلك يغسلون ضمائرهم .
الآثام غير المقترفة هي أكثر سفالة و نذالة من تلك التي اقترفت .
إنها تلك الآثام السرية المكبوتة عن خوف وجبن . هذا ما يحملونني إياه .
لم أتحمل الاشمئزاز الذي يثيره فيّ الدفاع عن نفسي
في مواجهة حملاتهم القذرة فتظاهرت بأن ما يقال صحيح
و تظاهرت بعدم الاكتراث بكل ما يقال عني .
حتى في السفالة يمكن للمرء أن يكون أصيلاً و ذا قلب شهم
أليس بطولة أن أتحمل كل كل تلك الأقذار لأوسخ بها من يحيط بي أيضاً ؟
إن شهوة الانتقام تحرقني . لكنني لا أعرف إلى من أوجّه حقدي .

أرغب بقلب نفسي كما يقلب الجورب داخله خارجه , لأتفرج على نفسي .
أهي التي ترغب في الزواج بي , أم أنا في حقيقة الأمر من يرغب بالزواج منها ؟
هي رغبتي في ستر خجلي العاري , ما يدفعني إلى اسقاط رغبتي عليها هي .


اترك رداً

ردك:

التصنيفات