ساركـوزي فـي بيـروت وعينـه علـى دمشـق
سامي كليب
كلما ارتاح لبنان فرحت فرنسا. هذه ثابتة تاريخية في علاقات البلدين. كل المسؤولين الفرنسيين، يمينين كانوا ام يساريين، نادوا بسيادة واستقلال لبنان، حتى ولو أن النيات الفرنسية الطيبة لم تقدم حلولا ناجعة عبر هذا التاريخ، إما لاصطدامها بزواريب السياسة اللبنانية او بالعائق الأميركي المانع أي دور دولي غير دوره في هذه المنطقة من العالم (على الأقل حتى الآن).
فماذا في جديد الزيارة الرئاسية الفرنسية الى بيروت؟
الأكيد انها بحد ذاتها مهمة حتى ولو لم تحمل جديدا، فساركوزي الذي يفتتح الزيارات الرئاسية الأجنبية الى لبنان بعد انتخاب ميشال سليمان رئيسا، يعبر بذلك عن تضامن كبير عززه بالوفد الواسع المرافق له والذي يضم مسؤولين كبارا من اليمين واليسار.
ثم ان هذه فرصة كبيرة لعودة شيء من الدور الفرنسي الى لبنان بعدما تكللت الزيارات التي قام بها وزير الخارجية برنار كوشنير باليأس، وفرصة أكبر لاعادة بناء الجسور مع سوريا.
فالرئيس الفرنسي كان، كما نظيره الأميركي، يرغب في نزع سلاح حزب الله، لكنه منذ توليه الرئاسة أوحى بضرورة الانفتاح على سوريا لعدة أسباب، أبرزها أنه لم يكن من أنصار «شخصنة» السياسة التي اعتمدها جاك شيراك في علاقته مع دمشق في السنوات الاخيرة لحكمه، وثانيها لاعتقاده ان الانفتاح على سوريا يساعد في حل الازمة اللبنانية ولكنه أيضا وخصوصا يفتح الباب لاقناعها بفك الارتباط مع ايران، ويحمي القوات الفرنسية في الجنوب اللبناني (العلاقات الاستخباراتية بين باريس ودمشق وحزب الله لم تنقطع).
ثم هناك حاجة ملحة في الوقت الراهن للانفتاح الفرنسي على نظام الرئيس بشار الأسد، ذلك ان سوريا التي تغنى بها ساركوزي حين زارها قبل سنوات، لا بل وكتب عنها جزءا لطيفا جدا في كتابه «جىقْم» تبدو ضرورية حاليا لفرنسا المقبلة على أمرين جوهريين: أولهما القمة المتوسطية وثانيهما اتفاق تعاون بين اوروبا واسرائيل في خلال تولي فرنسا الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي.
وهكذا فما ان حلت «العقدة» اللبنانية في طريق تطبيع العلاقات السورية الفرنسية، اي الرئاسة اللبنانية، حتى بادر ساركوزي للاتصال بالأسد وكان الاتصال جيدا حصل في أعقابه ساركوزي على وعد بحضور الاسد القمة المتوسطية حتى ولو أن الأمر يبدو صعبا بسبب حضور رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت. وهناك زيارات قريبة لمسؤولي البلدين (وليد المعلم الى باريس، والامين العام للرئاسة كلود غيان والمستشار الدبلوماسي الرئاسية جان دافيد لافيت الى دمشق).
صحيح ان بعض الدبلوماسيين الفرنسيين يلومون ساركوزي على «التسرع» في التطبيع مع دمشق على أساس ان الحكومة في لبنان تعيش مخاضا عسيرا، وان الوضع لا يزال هشا، لكن الأكيد ان ساركوزي يعتبر ان الفرصة مؤاتية الآن أكثر من اي وقت مضى وربما ايضا اكثر من أي وقت سيأتي.
على كل حال الاختراقات الكبيرة غير منتظرة في هذه الزيارة الى بيروت، لكنها في نهاية الأمر زيارة تضامن جيدة مع لبنان وستليها على الأرجح وعود اقتصادية وادارية. اما في سوريا فالأمر سيبقى رهنا بالتطورات المقبلة.
المعروف ان الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران تقارب مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في مرحلة معينة، ثم تنافر معه ويئس من لبنان بعد استهداف قوات المظليين في بيروت. والرئيس الديغولي السابق جاك شيراك وصل الى حد اقتراح شراكة «استراتيجية» على حافظ الأسد وتبنى مشروع الرئيس بشار الأسد منذ البداية، لكنه تنافر معه لاحقا الى حد القطيعة بعد التجديد للرئيس اميل لحود وفي اعقاب اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.
أما ساركوزي فيأتي من دون ضغينة شخصية للأسد، وانما بأمل استعادة دور فرنسي كاد يخبو لأسباب عديدة. ولعله أمام فرصة تاريخية لتجديد بعض هذا الدور، ذلك أنه يأتي في ظل هدوء نسبي في لبنان، ومناخ تفاوضي بين سوريا واسرائيل، وانحسار في الدور الأميركي.
هذه فرصة قل نظيرها بالنسبة لفرنسا، وتتطلب حذرا شديدا في خطاب ساركوزي، ليس في لبنان، لكن من قلب اسرائيل. فالرئيس الفرنسي صديق لا شكوك عليه في الدولة العبرية، وبارع في اقتناص الفرص واستخدام العبارات المناسبة، وما يستطيع ان يقوله للمسؤولين الاسرائيليين ربما سيكون أكثر مما استطاعه غيره من الرؤساء الفرنسيين السابقين. اما اذا كان المقصود فقط فك الارتباط السوري الايراني وتأكيد الدعم لاسرائيل، فالفخ كبير.


