شارع «الهوّارة»…!
إن أبشع وأغلظ الحالات في حياتنا المعاصرة هي التي يجتمع فيها: الحرّ اللاهب, وانقطاع التيّار الكهربائي, وضجيج المولدات, وثقل دم الناس, وأسراب النمل, ورفوف البرغش مع كل أنواع الزبالة الوطنيّة والمستوردة والمهرّبة.
وكما تعلم يا طويل البال فإن «الزبالة» تجلب الحشرات, وبوجودها التراكمي تخلقُ سوقاً مزدهرة لبيع كل أنواع المبيدات. كما أنّ قطع الأشجار وإعدام كل ذي عرق أخضر, يُفسد المناخ, ويدخل البلاد في التصحُّر والحرّ والجفاف, وهذا بدوره يفسح في المجال لرواج بيع المكيفات. كما ان انقطاع التيار الكهربائي يؤدي الى استيراد وبيع المولدات. وبما أن ثقل الدم يجلب النرفزة وضيق الخلق, فقد سعى أصحاب المبادرات التلفزيونية الى انتاج البرامج التافهة, وذلك بهدف ترطيب الأجواء وتقبّل حملات اللسع واللدغ بالرضا والانشراح.
وشكّل التكتّل المتّحد بين الحشرات, والحر,والظلام, والضجيج, وثقل الدم, والبرامج الساقطة, والأغاني الهابطة, جيشاً هائلاً, اجتاح شارعنا المعروف باسم «الهوّارة» وذلك بواسطة أرتال من النمل والبعوض. فوقفنا حيارى مذهولين, نتلو الصلوات, ونردد الابتهالات, ونطلق النذور, داعين الى الوحدة الوطنية, ونبذ الطائفية.
هنا تنافسَتْ المحطات التلفزيونية على نقل وقائع الحَدَثْ, وبالفعل فقد نجح بعضها في التغطية الميدانية وفي شرح وسائل الوقاية, خصوصاً محطة «د.د.ت» المرخص لها رسمياً, التي قامت بإجراء ندوات ناجحة, حيث قدمت مواضيع ساخنة مثل «البرغش والعولمة» و«النمل والتنميل», وصولاً الى البثّ من وقت الى آخر لبعض الفيديو كليب الغنائي الراقص مثل: «صراصير يا أهل الهوى صراصير» و«نملات عامدّ النظر».
عندما ساءت الأمور, وُضِعَ شارعنا في العناية الفائقة وأصبحنا أقليّة منقوصة, مقروصة, معقوصة, ممصوصة. وبناء على هذا الوضع المزري. قرّر مجلس البرغش الدولي اعلان المنطقة بحكم المنكوبة, ونصح الحكومة بتطبيق خطّة تقول: على كل مواطن عشّشت في جسمه فصائل البرغش, واستوطنت في بيته مضارب النمل أو ما يعادلها, أن يشتري له ولعائلته مغطساً من صفيح. وبعد ملء المغاطس بالماء, ينزع المواطن ملابسه ويمسك بين أسنانه قطعة قطن كبيرة, ويباشر بالنزول في المغطس تدريجياً بدءاً من القدمين, فيبدأ البرغش والعث والسوس والنمل وما شابه بالصعود الى أعلى الجسد هرباً من الماء. وهكذا حتى تصل المياه الى العنق وظاهر الوجه فتتجمّع كل الحشرات حكماً على قطعة القطن الناشفة, ثم… هوب… وبغطسة واحدة وسريعة من رأس المواطن الصالح في الماء ويصبح بعدها «بني حشرات» غريقاً و في خبر كان! ولكن للأسف, لم يكد المواطنون يبدأون بملء مغاطسهم حتى انقطعت المياه!! وتوقّفت بذلك حملة الانقاذ. هنا برز اقتراح آخر عُرف باسم «المعطس» من فعل «عَطَسَ», ويتلخص بالأمور الآتية: يجهّز كل مواطن في بيته, حوالى كيلوغرام «تبغ» مفروم, ثم يعمد الى دقّه دقاً ناعماً, ويخلطه بمئتي غرام سكر, ويرشّه على بلاط الغرف عند أسفل الجدران من الزاوية الى الزاوية. وبحكم حاسة الاستشعار عن بعد فإن أرتال النمل والهوام ستأتي باحثة عن السكر. ولحظة وصولها واحتكاكها بالتبغ المدقوق سيدخل غبار رحيقه الى خياشيمها ويلتصق بزلاعيمها فتهتاج لديها غدّة العطس, فتعطس بعنف مرات عدة فيخبط رأسها بالبلاط الصلب… فتموت!…
هكذا, ومنذ ذلك الحين, أصبح الناس عندنا «ناسَين»: ناس في أفواهها قطع القطن وممددة طوال الوقت في المغاطس. وناس كل همها تطوير أساليب نصب المعاطس!
أيها الكرام. وردت البارحة برقية مستعجلة من مجلس «مكبّات الزبالة العالمية» تقول: انقلوا أهالي شارع «الهوّارة» من غرف العناية الفائقة الى غرف العناية الإلهية!!
E-Mail:Kahwaji_ ghazi@hotmail.com
غازي قهوجي








