عزمي بشارة لـ «الكفاح العربي»: النكبة فعل عربي
عمان ـ أسعد العزوني
العرب هم الذين فكوا عزلة اسرائيل, ومؤتمر أنابوليس بضيوفه العرب كان مكافأة لاسرائيل على عدوان 2006 على لبنان, والرئيس الاميركي الذي جاء يحتفل بنكبة فلسطين وجد ترحيباً في العالم العربي.
الكلام لعزمي بشارة أمين عام حزب التجمع الوطني الديمقراطي في الاراضي المحتلة, الذي يقول ايضا بلهجة اليقين ان العرب لن يذهبوا الى حرب جديدة مع اسرائيل, لأنهم يراهنون على الولايات المتحدة والمفتاح الى قلب واشنطن هو اقامة علاقات مع اسرائيل. أما خيار المقاومة فهو موجود فقط في لبنان, وهو خيار شعبي لا تتبناه الحكومات.
وهل أنت عائد؟ عن هذا السؤال يجيب عزمي بشارة: اعرف انني سأعود يوما, وما يعزيني هو ان منفاي القسري عربي, والعالم العربي هو عالمي. وهذا حديثه:
احتفالات اسرائيل بعيدها الستين, لا هي بالفضية ولا بالذهبية ولا بالماسية, ومع هذا تقاطر عليها معظم زعماء العالم, ما تفسير ذلك؟
الأمر الجديد في هذه الاحتفالات هو مشاركة غالبية زعماء العالم وفي مقدمهم الرئيس بوش فيها. ومسألة اليوبيل هل هو فضي أم ذهبي أم ماسي ليست ذات شأن عند الاسرائيليين, فاسرائيل عموما تتميز عن كل دول العالم بكيفية احتفالها «بالاستقلال» بما يشبه الديانة المدنية أو الوطنية برموزها ومواسمها, وأعيادها بقدسية الجيش وأيامه وأعياده الى يوم «الكارثة والبطولة» الى يوم €الشهداء€ كما يسمونه وهو عشية €الاستقلال€ الى €الاستقلال€ نفسه. وهذه هي ديانتهم الوطنية التي يحاولون بناءها بما نسميه نحن عملية بناء الأمة, اذ أحضروا أناسا من 120 بلدا مثل شعير البياع في ثقافاتهم, ويعملون على تحويلهم الى أمة, وأول ما تقوم به اسرائيل في ذلك هو تغيير مناهج التعليم وتوحيد ذاكرتهم وكذلك الخدمة العسكرية, وعملية الاحتفال €بالاستقلال€ تهدف الى توحيد وتنشيط الذاكرة, من خلال روايات الأساطير للأطفال, وزيارة المتاحف العسكرية ووحدات الجيش في ذلك اليوم, لما يمثله من البعد الشعبي في الاحتفال, مع ان قليلا من الدول العربية تقيم احتفالات استقلال جدية. وأقول أن احتفال اسرائيل بعيد «الاستقلال» هذا العام عادي, ولكنه تجاوز العادية مقارنة مع أي بلد آخر, وأن الجديد في هذه الاحتفالات هو مشاركة العديد من زعماء العالم, وهذه هي المرة الأولى التي يشارك العالم بالاحتفال بنكبتنا والمساهمة الرئيسية بذلك كانت عربية.
€ كيف؟
ان الانتقال من اسرائيل معزولة في بداية أيام شارون الى اسرائيل مرحب بها ومقبولة بدأ بفك عزلة العرب عن شارون, وقد كان العالم يعزل شارون لكن العرب فكوا العزلة عنه في مؤتمرات شرم الشيخ واحتفى العرب فيها به كرجل سلام, وكان التتويج الأخير هو الاحتفاء باسرائيل بعد عدوانها على لبنان صيف العام 2006 , وكأن اسرائيل كوفئت عربيا على هذا العدوان عندما تم مؤتمر أنابوليس. وعليه وكما يقول المثل العربي «ما نلوم الا حالنا» بمعنى أن هذا التقاطر العالمي على اسرائيل حدث بعد أن فك العرب عزلتهم عن اسرائيل وبرأوها من جرائم الحرب التي قامت بها وتم اعتبار شارون وأولمرت رجال سلام, وبالتالي لماذا الاستغراب من تقاطر زعماء العالم للاحتفال مع اسرائيل, ناهيك عن أن هذه هي مرحلة بوش. وهذا يبرر مجيء هؤلاء الزعماء بدءاً من المستشارة الألمانية انجيلا ميراكل المعروفة بيمينيتها, ومحاولتها تصدر العداء الألماني لليهود الى المنطقة العربية وانتهاء بالرئيس الاميركي.
والغريب في الأمر أن الرسمية العربية لم تقل للرئيس بوش انه اذا جاء للاحتفال بنكبة الشعب الفلسطيني فليقصر زيارته على اسرائيل فقط, لأنه غير مرحب به في العواصم العربية, لكن ذلك لم يحدث.
€ هناك من بات يؤمن ومن ضمنهم يهود اسرائيليون بحتمية زوال اسرائيل, ماذا تقول؟
ليست لدي مشكلة في من يؤمن بذلك. هنالك من يؤمن ايمانا راسخا بحتمية زوال اسرائيل وكأن ذلك مقولة دينية. فمن حق الانسان الاعتقاد بما يشاء حسب طريقة فهمه للأمور, أما التعامل مع ذلك وكأنه حقيقة علمية من دون اثبات علمي, فلا يكفي. وأنا لا أنكر أن مساحة القلق الاسرائيلي تتزايد بين أوساط المثقفين الاسرائيليين حول بقاء اسرائيل اذ ان هناك شعورا بالفشل, تماما كما حدث بعد حرب العام 1973, حيث ظهرت موجه كتابات حول ذلك, وهناك من قال انه بدلا من ان تكون واحة أمن لليهود باتت اكثر الامكنة تهديدا لأمنهم ولحياتهم. وكل ذلك يعود الى بنية المجتمع الاسرائيلي وما بشر فيه من يسمون الآباء المؤسسين. ونوع القيم المنتشرة الآن في المجتمع من مجتمع استيطاني اشتراكي الى مجتمع رأسمالي منحل استهلاكي تشوبه العديد من التمزقات الاجتماعية والسياسية والفكرية, بالاضافة الى أن الحروب مع العرب لم تعد نزهات, ذلك أن النزهة الوحيدة كانت للجيش الاسرائيلي هي ما يطلقون عليه حرب الأيام الستة في حزيران €يونيو€ 1967. وعليه أقول ان انتشار مقولة «اسرائيل الى زوال» من دون توفير الأسباب فان ذلك يهدف الى تخدير الجماهير العربية ليس الا, بمعنى أنها ما دامت زائلة فعلينا انتظار ذلك ونحن في بيوتنا, أي أن الأمر ليس من الاستراتيجية في شيء. وهناك من بات يشيع لتمرير استراتيجيته, بأن الحرب توحد اسرائيل فيما يضعها السلام في وضع حرج, وبالتالي لا بد من «توريطها» بالسلام مع العرب0
€ هل تقرأ حربا بين العرب واسرائيل في المستقبل وإذا هي وقعت فما نتائجها؟
آخر حرب نظامية شهدناها بين العرب واسرائيل كانت في تشرين الاول €اكتوبر€ 1973, وأؤكد المقولة التي تقول إن لا حروب عربية اسرائيلية من دون مصر. وكما هو معروف فان مصر وقعت معاهدة سلام مع اسرائيل , تبعتها اتفاقيات أوسلو مع المنظمة ومعاهدة وادي عربة مع الأردن, والآن تجري مفاوضات غير مباشرة بين سوريا واسرائيل برعاية تركية في اسطنبول.
والسؤال هنا: هل نحن أمام اعادة نظر عربية في العلاقات مع اسرائيل ومع العالم بأسره؟ على أساس الاستراتيجية التي تقول إن الرهان الرئيسي هو على اميركا وسياستها في المنطقة, وان المفتاح الى قلب واشنطن هو اقامة علاقات مع اسرائيل, ولم تعد هناك مصالح عربية مشتركة وبالتالي أصبح التضامن العربي كلاما فارغا؟
والجواب هو أن لا مرجعية ر سمية عربية لذلك, وبالتالي فان الوقت الذي يشهد تزايد نقمة الشارع العربي على اسرائيل وأميركا نجد أن الأمر غير ذلك بالنسبة الى الرسمية العربية. ما يجري حاليا في المنطقة يشبه فشل المضاد الحيوي في علاج المرض, ما أدى الى زيادة قوة مناعة الجسم اذ يستطيع الآن أي عربي القول إننا جربنا السلام مع اسرائيل, مع ذلك لم نستفد شيئا ولذلك أقول ان الشعوب العربية هذه الأيام هي في أكثر درجات عدائها لاسرائيل وأميركا بينما المستوى الرسمي يحاول ترسيخ هذه العلاقة. وهناك من يعاتب اميركا على استحياء لأنها احرجته, ومن ضمن ذلك خطاب بوش في احتفالات اسرائيل, علماً أن الحرج الاميركي تكرر ألف مرة في التاريخ العربي. وعليه لا أرى في المستقبل المنظور استراتيجية عربية موحدة تراجع ملف التسوية برمته واعادة الاعتبار الى التنسيق العربي وقوة الردع العربية, تحضيرا لمواجهة مقبلة. والغريب في الأمر أن خيار المقاومة فقط موجود في دولة ضعيفة مركزيا وهي لبنان قوة المجتمع فيه هي قوة الطوائف, والمقاومة بشكل عام هي خيار شعبي لا تتبناه الدول, ومع هذا لا اتخيل قيام مقاومة شعبية مصرية ضد اسرائيل بسبب قوة الدولة المركزية, وهذا ينطبق حتى على سوريا التي لها أرض محتلة.
واسرائيل لن ترضى التعاطي مع سوريا اذا هي تحولت الى حركة عصابات من حدودها الى الجولان, والسؤال المطروح على سوريا: حرب أم لا حرب, وليس مقاومة أو لا مقاومة, خلافا لما يطرح عربيا, وعليه أقول إن الأنظمة العربية ليست في وارد الحرب مع اسرائيل.
€ الآن تجرى مفاوضات غير مباشرة بين سوريا واسرائيل في اسطنبول برعاية الحزب الاسلامي الحاكم في تركيا, ما قراءتك لهذا الحدث المزدوج؟
استبشرنا خيرا بنتائج الانتخابات التركية لأنها أفرزت التيار الاسلامي بما شكله ذلك من فرصة لهذا التيار لاعادة النظر مع الديمقراطية واعادة نظر العلمانيين العرب في علاقتهم مع التيارات الاسلامية. ولكن ما حدث أن حكومة اردوغان استضافت شيمون بيريس لالقاء خطاب في البرلمان كأول ضيف وها هي تقوم حاليا بدور الوسيط بين سوريا واسرائيل. وما أود قوله هنا انني لا أتخيل وضعا فيه اتفاق سلام سوري اسرائيلي من دون حل القضايا الأخرى اذ ان الأمر يتعلق بالاستراتيجية السورية, وفهم سوريا لذاتها, وهل هي قادرة على فصل نفسها عن القضية الفلسطينية والقول الجولان اولا , ولا احد يستطيع اتهام سوريا بالسلام المنفرد لأن هناك من سبقها الى ذلك, لكن وحسب مقاييسها السياسية البراغماتية هل ستخسر شيئا بذلك.
أقول أيضا ان سلاما اسرائيليا سوريا من دون حل القضية الفلسطينية يمثل خسارة ايديولوجية كبيرة على المستوى البعيد, بمنطق النظام الحاكم في سوريا وفهمه لذاته, ولذلك من حقه أن يصنع سلاما مع اسرائيل بعد أن ترك وحيدا معزولا ومحاصرا. ولكن السؤال: هل ستقود المفاوضات الحالية الى سلام قريب؟ والجواب ان الأمر صعب بسبب عدم الاستقرار السياسي في اسرائيل ناهيك عن الاشتراطات الاسرائيلية التي تتجاوز مسألة السلام مقابل الأرض, بمعنى أن اسرائيل تريد السلام وفرض أجندتها الخاصة على سوريا وخصوصا ما يتعلق بالعلاقات الخارجية.
€ هل تعتقد ان اسرائيل ستتنازل لسوريا عن الجولان المائي «النافع» وليس الأجرد؟
لا بالطبع, واسرائيل لا تضخ ماء من الجولان, ذلك أن مياه الجولان تصل بسلام الى بحيرة طبريا, حتى أن سوريا لم تحاول منع هذه المياه من الوصول الى بحيرة طبريا قبل العام 1967, بمعنى ان سوريا لم تبد يوما رغبتها في التحكم بالمياه ولا انها ترغب في ذلك مستقبلا. وتقوم اسرائيل بضخ المياه من طبريا وفق نظام المياه القطري الذي فجر أزمة في السابق وهو ما أطلق عليه «نفق عيلبون».
€ لمَ لم تعتمدوا في الساحل المحتل في العام 1948 الكفاح المسلح لمقاومة العدو؟
لم يكن هناك أي أساس لذلك , حتى ان الأخوان في الضفة وغزة لجأوا الى الكفاح المسلح متاخرين. ونحن لم نكن حزبا سياسيا بمعنى أن هذا الخيار جاء متأخرا, حتى انه جرى الاختلاف عليه وقيل ان الحرب مع اسرائيل هي حرب دول بجيوش نظامية ومشروع قومي. كنا في الداخل أقلية معزولة من شعب مهزوم معزولبن عن العالم العربي تماما نعيش تحت حكم عسكري اسرائيلي هزيمة ساحقة امر من احتلال العام 1967, حيث الكثافة السكانية هناك والتواصل مع العالم عبر سياسة الجسور المفتوحة, كما ان اسرائيل لم تمنح اهالي الضفة والقطاع المواطنة الاسرائيلية, عكس ما حصل عندنا حيث كنا نحو 150 الف مواطن منحنا المواطنة الاسرائيلية في اليوم التالي تماما كما حدث بالنسبة الى مواطني الضفة الذين منحوا المواطنة الأردنية, والضفة ضمت الى الأردن وأصبحت الأحزاب الفلسطينية أحزابا أردنية في حين تحولنا نحن الى الأسرلة غصبا عنا. وأصبح الحزب الشيوعي الفلسطيني حزبا اسرائيليا فيما تم منع الأحزاب الأخرى, علما أن الحزب الشيوعي الاسرائيلي شريك أساسي في النكبة الفلسطينية, وقد اعتمدنا النضال المدني في اطار المواطنة, ومع هذا فقد مر على المحاكم الاسرائيلية نحو ألف حالة من شبابنا الذين حملوا السلاح وهناك ما بين 200300 معتقل في السجون الاسرائيلية بتهمة الانتماء الى التنظيمات الفلسطينية, ونحن في التجمع الوطني الديمقراطي لدينا العشرات من الأسرى المحررين.
€ كيف قبل الشيوعيون الفلسطينيون التحول الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي؟
كل ما في الأمر أن الاتحاد السوفياتي اعترف باسرائيل وسلحها, ظنا منه أنها قد تكون دولة اشتراكية في محيط رجعي متخلف, وبالتالي رأوا أن الاندماج فيها أمر محمود, وأن الحروب تصب في مصلحة الرجعيين من الطرفين ولمصلحة الانكليز على حد سواء, انطلاقا من الأممية وشعار الطبقة العاملة ووحدة الكادحين العرب واليهود ضد الاستغلال الطبقي, مع ان حقيقة الأمر بعيدة عن هذا التصور السطحي كون اسرائيل كيانا استعماريا استيطانيا. وقد أبعد الشيوعيون اللبنانيون والسودانيون انفسهم عن هذا التصور. والأكثر غرابة من ذلك أن الشيوعيين يلومون الفلسطينيين بسبب رفضهم قرار التقسيم في حينه من دون فهم منهم ان قرار التقسيم دولي لتخيلص العالم من اليهود, وهو سطو دولي مسلح على فلسطين, وبالتالي فان التقسيم والتسوية وحل الدولتين حلول فاشلة ومرفوضة.
€ لو قبل الفلسطينيون قرار التقسيم هل كانوا سيحصلون على شيء وفق المعطيات الموجودة؟
الذين يلومون الفلسطينيين لرفضهم القبول بهذا القرار لم يقرأوا مذكرات بن غوريون التي يقول فيها إن قبول اسرائيل لهذا القرار جاء كمرحلة من أجل الاستيلاء على ما تبقى من فلسطين. وهذا يعنى ان قبول اسرائيل به لم يكن بريئا, ورفض الفلسطينيين له لم يكن خطأ أو سوء تصرف. وترفض الصهيوينة حق العودة الديمغرافي, بمعنى انها لا تريد في اسرائيل عربا وترى ان العرب الموجودين فيها الآن ونسبتهم 20 € من السكان عبء ديمغرافي عليها, مع أنها عندما قبلت قرار التقسيم لم تكن نسبة العرب 20€. ولا بد من القول إن اعتبار المسألة الديمغرافية مسألة مقدسة يعيدنا الى السؤال: كيف قبلوا في العام 1947 دولة اسرائيلية نصفها من العرب؟ أي أن قرار التقسيم منحهم دولة يهودية نصف سكانها من العرب. وحقيقة الأمر ان خطط ترحيلنا كانت موجودة في الأدراج كما جاء في مذكرات رابين, ولا أدري كيف يتوقعون من الفلاح الفلسطيني أن يقبل بمن جاء ليمحوه عن الوجود ويستولي على أرضه.
€ ما الذي يعلق في أذهانكم من العزلة العربية التي فرضت عليكم؟
هنا يظهر أن هناك تهجما على العرب في هذا المجال, فعرب الخارج لم يتهمونا بالخيانة ولم يقولوا اننا أبطال وكان التعامل واقعيا. وهناك حاليا نوع من جلد الذات, علماً ان عرب الخارج كانوا يبحثون عن الوطنيين فينا, وبدأ ذلك الرئيس الراحل جمال الناصر من اجل فتح قنوات معنا. كما جرت محاولات لاقامة تنظيمات من قبل فتح وهذه الاشاعات يطلقها الشيوعيون فقط لتبرير مواقفهم, ولأنهم اعتبروا من قبلنا ومن قبل الآخرين خونة لأنهم اندمجوا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي.
وهناك من يتحسس من جواز السفر الاسرائيلي وقد ثبت ان بعض القبول لعرب من حزب العمل أو من الليكود يحملون جواز السفر الاسرائيلي ما هو الا تمهيد للتطبيع مع اسرائيل عموما, مع ان العالم العربي قدر القوى الوطنية المعادية للصهيونية وتذكر موجة تقدير شعر المقاومة وأكثر مما يستحق وأكثر من شعر الخارج فقط لأنه من الداخل. لقد نادى من فتحت له أبواب الكنيست من الذين اندمجوا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي بالمساواة وتجنيد الشباب العربي في صفوف الجيش الاسرائيلي. وأقول انه كلما اشتدت حالة احتضان عرب الداخل نكون قد نجحنا في مساعدتهم على التمسك بهويتهم الوطنية, وعلى الدول العربية ألا تنظر الينا وتتعامل معنا كاسرائيليين حسب جوازنا بل المطلوب أن تحترمنا لأننا عرب فلسطينيون. ونحن نشعر أن بعض الدول العربية تعاملنا جيدا لأننا نحمل جواز السفر الاسرائيلي.
€ كيف تقرأ التطبيع مع اسرائيل؟
بداية اود تأكيد أن الرأي العام العربي يرفض اقامة أي نوع من العلاقات مع اسرائيل, وهو رافض بالمطلق لاعتبار اسرائيل دولة طبيعية في المنطقة, وان تكون العلاقة معها طبيعية, علما ان هناك محاولات ضحلة متفرقة هنا وهناك لاحداث اختراقات في هذا المجال, وهذا ليس مهما. بينما الحالة الرسمية تختلف وهي غير متصالحة مع هذا الموضوع, وترى انه ما دامت اتجهت في مسار التسوية, فانه من الطبيعي اقامة علاقات طبيعية مع اسرائيل. ولذلك تجرى محاولات مربوطة بالبارومتر الجماهيري, بمعنى أن أصوات التطبيع ترتفع عند انحسار الحالة الجماهيرية والعكس صحيح. ومشكلة الفلسطينيين تحت الاحتلال معقدة لأن هناك تشابكاً في العلاقات مع اسرائيل ولذلك ماذا يعني التطبيع بالنسبة الى الفلسطيني الذي يضطر للعمل في المصانع الاسرائيلية ؟ وهو لا يعني أنه سيذهب الى دائرة حكومية ليحصل على تصريح لمغادرة البلاد بينما يعد تعامل العربي مع سلطة الحدود الاسرائيلية وختم جوازه تطبيعا, في حين أن ختم الجواز الفلسطيني العائد ليس تطبيعا, لأنه مجبور على العودة الى وطنه.
والسؤال: ما هو التطبيع بالنسبة الى الفلسطيني؟ هل يتعاون مع قوى صهيونية؟ هل يبشر بالتعايش؟ هل يعترف بسلطة المحاكم الاسرائيلية ؟ هل يوافق أن القانون الاسرائيلي ساري المفعول؟ هل بدأ يستخدم مصطلحات اسرائيلية مثل: المناطق, المعتدلون والمتطرفون, العنف المتبادل, ذلك أن هذه مصطلحات اسرائيلية؟ ونحن نرى أن مجرد ذهاب العربي الى أي سفارة اسرائيلية يعد تطبيعا, وكذلك زيارة الضفة وختم الجواز.
€ نلاحظ أن القيادات الاسرائيلية تبدأ «بطلة» وتنتهي ساقطة ما تفسيرك؟
يجب ان لا نعول كثيرا على هذا الموضوع, فالقيادات الاسرائيلية في الماضي لم تكن تخضع للمساءلة والقانون, بمعنى ان القانون الاسرائيلي حاليا أصبح أكثر فاعلية مما كان عليه الحال في السابق. في مجال التعامل مع القيادات الاسرائيلية وقد حصل المنعطف في السبعينيات من القرن الماضي, ناهيك عن تزايد ظاهرة الفساد في المجتمع الاسرائيلي وفي أوساط القيادات السياسية الاسرائيلية مع تزايد عمليات الخصخصة, ودخول مفاهيم الربح والمجتمع الرأسمالي على مجتمع كان يعد نفسه طهوريا اشتراكيا استيطانيا بموت الزعيم فيه ولديه شقة فقط مثل بن غوريون, فيما نرى اليوم انفتاحا وتأثيرا لرجال الأعمال على السياسيين, من هنا بدأ الفساد يستشري في الطبقة السياسية الحاكمة.
€ هل ستبقى منفيا في الخارج ؟
لا, لكنني لا اود التحدث بغرور لأن تشي غيفارا ولينين اضطرا للهرب وأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة الى المدينة هربا من ظلم قريش, بمعنى ان المنفى خيار تاريخي عند السياسيين, ذلك أنه يصبح ملحا عند تغيير قواعد اللعبة. وكما هو معروف فان معظم اعضاء المؤتمر الأفريقي هربوا وأن مانديلا عجز عن الهرب فسجن, وقاد أعضاء المؤتمر الأفريقي المعركة من الخارج. وما اود قوله أن المنفى هو حالة اضطرارية. عندما يفرض الخصم قواعده الخاصة في اللعبة.
عندما كنت انا أفرض قواعد اللعبة, وأحاكم وأخرج بريئا كنت مستمرا في الوجود حيث أنا, لكن عندما أخذت القضية منحى آخر وتحولت من قضية سياسية الى قضية أمنية, فانه من الحماقة ان أسلم نفسي للسلطات الاسرائيلية, وعند حصول تغيير ايجابي في قواعد اللعبة سأعود الى وطني. وأنا لا أعتبر نفسي غريبا, فالعالم العربي هو عالمي, ومنفاي وسع لي حلبة النضال واتصالي مع الحركة الوطنية مستمر ودوري النضالي أكبر مما يبدو, وسلوكي السياسي سلوك عائد وليس من يبرر للاسرائيليين, والا ما دمت متهما بالتخابر مع حزب الله, لركبت الموجة وسعيت الى البطولة وقلت أمام كاميرات التلفزة: نعم أنا نقلت معلومات للعدو في زمن الحرب وفعلت كذا وكذا ومن ثم أصبح بطلا وآخذ مجدي في الخارج, وأكون بذلك خسرت مواطنتي. وهذه لعبة سخيفة اذ ما مصير من حولي في حزب التجمع؟
أنا لدي جمهور والتزامات وطنية وقومية وأشعر بالمسؤولية تجاه كل ذلك, وأعرف انني سأعود يوما, ولكني في مثل هذه الأثناء لا أنسى ان معركتنا القومية ومعركتنا بقضية فلسطين والديمقراطية هي معركة عربية أولا وآخرا, ومع أن منفاي قصري الا أنه عربي داخلي, كوني قوميا عربيا ولكني اتعامل معه كمنفى.
€ هل من اتصالات أو وساطات مع اسرائيل لعودتك؟
لا يوجد شيء من هذا القبيل وكل التوجه الاسرائيلي الحالي هو للتصعيد معي اذا يحققون مع كل من يزورني أو يتصل بي وهناك محاولة لتمرير رسالة أنه ممنوع الاتصال بي أو زيارتي مع ان هذا ليس قانونيا. لأنني لست مدانا أصلا, ولم أتح لهم فرصة الادانة. ويحاول المحققون الاسرائليون اجبار الشباب على التوقيع على مذكرة تقول: «تم انذاري من الاتصالي مع الدكتور عزمي بشارة لأنه يشكل تهديدا لأمن الدولة»,وقد نشر ذلك في صحف الداخل, واكدت منظمات حقوق الانسان العالمية عدم قانونية ذلك, ويصر الاسرائيليون على عودتي كي أحاكم.








