باريس تتعاطى بواقعية مع «حزب الله».. أكثر من العقلانية!
رعد على طاولة في بعبدا تجمع الصفدي وفرعون وحرب وضيوف فرنسيين
محمد بلوط
باريس :
نهار لبناني فرنسي حافل، غلبت فيه مشاعر اللقاء وحرارته، بعد مرحلة طويلة من الخيبات، وعبرت عنها بقوة تصريحات الجانبين، والشحنة الرمزية الكبيرة التي عبرت عنها تشكيلة الوفد الفرنسي المتنوع، حكومة ومعارضة ومؤسسات، والذي يبعث رسالة صداقة من «شعب بأكمله إلى لبنان» المتنوع، وإلى الرئيس اللبناني ميشال سليمان الذي وجده الرئيس ساركوزي، نقلا عن مصادر الإليزيه «رجلا شجاعا ونزيها، ونأمل بأن ينجح، لكنه لبنان مع صعوباته وتقلباته، وخصوصا الصعوبات التي يواجهها في أربع وزارات سيادية، لكن أربع ساعات في بيروت ليست كافية، لتفهم كل شيء» .
وفي خلفية اللقاءات حضرت العلاقات السورية الفرنسية وآفاقها، وجرى إيضاح مواقف جديدة من المحكمة الدولية، التي لم تعد ضابط الإيقاع الفعلي لعلاقات دمشق بباريس، على الأقل في تسريبات الإليزيه عن موقف الرئيس الفرنسي الجديد، الأقل حدة مما يبدو في التصريحات العلنية . كما انعكس ذلك في تقديم مقاربة إيجابية جديدة للموقف من حزب الله بدأت «بالتحدث وقوفا « لدقائق مع النائب محمد رعد إلى جانب الرئيس ميشال سليمان، مرورا بدعوة إلى تبني الواقعية في التعاطي مع سلاح حزب الله، إلى التطوع في خطاب بعبدا أمام المعارضتين الفرنسية واللبنانية، لتبني وإحياء أحد المواضيع الشائكة المطروحة على طاولة الحوار اللبناني: الإستراتيجية الدفاعية .
ومن أجل ذلك، تعهد ساركوزي بدعم إمكانات الجيش اللبناني العسكرية، رابطا التعهد ببلورة، إستراتيجية دفاعية عبر حوار لبناني صادق، لم يعد التخلف عنها ممكنا، وهي الطريقة التي اختارها ساركوزي، لطرح موضوع سلاح حزب الله مواربة .
وفي الحديث المقتضب الذي دار بين الرئيس الفرنسي، والنائب محمد رعد قالت مصادر الإليزيه إن الرئيس ساركوزي تبادل الحديث معه كما فعل مع بقية ممثلي القوى السياسية اللبنانية. وقالت مصادر لبنانية «إن ساركوزي عبر للنائب رعد عن تفهمه لأهمية ودور حزب الله في لبنان وتعهد بالسعي لإستعادة مزارع شبعا»، وبدا كل شيء في الزيارة السريعة للوفد الرئاسي الفرنسي مدروسا لتجاوز أي مزيدات داخلية فرنسية يسببها لقاء غير محسوب مع أحد مسؤولي حزب الله، تذكيرا بعاصفة الانتقادات الإعلامية التي واجهت استماع سيغولين رويال غير محتجة، قبل عام ونصف، للنائب علي عمار، وهو يقارن احتلال إسرائيل لجنوب لبنان بالإحتلال النازي لفرنسا.
وتعصم تشكيلة الوفد، معارضة وحكومة الرئيس ساركوزي من أي انتقاد محتمل، لجلوس الجميع إلى طاولة واحدة مع النائب عن حزب الله محمد رعد. ومنذ وصول الوفد إلى مدرج مطار بيروت، وحتى في الجلسات المغلقة مع الصحافيين، لم يتخلف صحافي فرنسي واحد، من الأربعين صحافيا الذين رافقوا الوفد عن طرح هذا السؤال، بدرجات متفاوتة من المخاطرة السياسية والفضيحة، التي تنتظر اليد التي قد يقدر لها أن تصافح ممثل حزب الله.
وكانت مصادر في الإليزيه قد نقلت عن الرئيس الفرنسي، رأيا يدعو إلى اعتماد الواقعية في التعاطي مع حزب الله وقضية سلاحه، أكثر مما يدعو إلى اعتماد العقلانية. وقالت المصادر الفرنسية، «إن الرئيس ساركوزي لا يعتقد أنه ينبغي تبني العقلانية في كل شيء، لنظهر شيئا من الواقعية، على صورة الرئيس ميشال سليمان، الذي تحلى بالواقعية، عندما لم يواجه التظاهرات الكبرى لربيع بيروت، بعد اغتيال الرئيس الحريري، كما في الأحداث التي عاشتها بيروت مؤخرا، ففي لبنان المعاصر لا يمكن عمل أي شيء ما لم نتحل بالواقعية». وقالت مصادر الإليزيه «إن الرئيس ساركوزي سيعمل على تحريك قضية مزارع شبعا، و يعتقد أن الحل الأمثل لقضية مزارع شبعا، هو أن نضعها في عهدة الأمم المتحدة، وستكون هذه القضية على طاولة مباحثاته في تل أبيب عندما يزورها رسميا في الثاني والعشرين من هذا الشهر».
وقالت مصادر الإليزيه «إن الرئيس ساركوزي سيزور سوريا قريبا، وسيقوم مستشاروه، كلود غيان، وجان دافيد ليفيت، وبوريس بوالون، بزيارة في الأيام المقبلة إلى العاصمة السورية، لتكريس عودة الاتصالات السياسية، والبحث بحضور الرئيس بشار الأسد قمة الإتحاد من أجل المتوسط في 13تموز المقبل في باريس». وقالت مصادر فرنسية رفيعة، إن الرئيس الفرنسي أكد خلال مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأسد، «أن فرنسا لا تسعى إلى قلب نظامه، ولا أي نظام آخر، وهو أكد للرئيس ساركوزي أنه سيحضر القمة المتوسطية».
ولا يضع الرئيس الفرنسي شروطا لزيارة دمشق. وقال المصدر الفرنسي «إن الرئيس متفائل جدا بقرب افتتاح سفارة سورية في بيروت»، ورد على قول البعض، إن الأسد يعد للمرة العاشرة بالسفارة في بيروت «إن الرئيس ساركوزي لا يملك خلافا مع سوريا، وليس له تاريخ من هذه المواعيد، والذين يتحدثون عن الماضي، أقاموا علاقات قوية مع سوريا، ثم غيروا موقفهم، وقد تخيب آمالهم بما يفعله الرئيس ساركوزي مجددا».
وقالت المصادر إن الرئيس ساركوزي لا يفعل سوى الوفاء بالتزام قطعه بتطبيع العلاقات مع دمشق، عندما تتعاون في انتخاب رئيس لبناني، وهذا ما حدث. واضافت المصادر «إن الرئيس ساركوزي لا يجد بعد ذلك مبررا لعدم الإتصال بدمشق، لكن إيجاد قتلة الرئيس الحريري، ليس خاضعا للنقاش، لكننا نعلم أن سوريا، فاعل لا يمكن الإلتفاف عنه، ولسنا عميان، عما حدث في لبنان، لكن لإقناع الناس لا بد من التحدث معهم. إن بلدا يساعد على انتخاب العماد سليمان رئيسا، ويفاوض إسرائيل، لا يمكن إلا أن نتحدث إليه، وماذا يمكننا أن نفعل سوى ذلك، إن إقامة علاقات دبلوماسية، وعودة السلم الأهلي لهما معنى وقيمة كبيرة في نظر الرئيس ساركوزي».
وقالت مصادر الإليزيه، إن فرنسا لا تفرض شروطا مسبقة على دمشق، ولا تفرض شروطا على زيارة الرئيس دمشق. ورددت أمام سائلين عن الأسباب التي قد تمنع الرئيس ساركوزي عن زيارة دمشق «إن ذلك يحتاج إلى تزامن في ثلاث أزمات: الإخفاق في تشكيل الحكومة اللبنانية، وعدم إقامة علاقات دبلوماسية سورية لبنانية، وعودة الاغتيالات. وسارعت بهذا الشأن إلى التأكيد أن الرئيس ساركوزي لا يتهم أحدا بذلك».
وقللت مصادر الإليزيه من خطر أن تؤثر التطورات في المطالعة الاتهامية المقبلة للمحكمة الدولية على مسار العلاقات الفرنسية السورية. وقالت المصادر إنه ما إذا تضمنت المطالعة الدولية اتهامات لسورية باغتيال الحريري «فإن الرئيس ساركوزي يعتقد أن فرنسا ستقبل القرار، وستطلب من سوريا أن تقبله، لكن لا يجب استباق الأمور في ما ستقوله المحكمة الدولية بهذا الشأن».








