Posted by: إدارة موقع رأس كتان | يوليو 12, 2008

عامان على تموز ٢٠٠٦ عامان على الخيبة

عامان على تموز ٢٠٠٦ عامان على الخيبة
جريدة السفير – حلمي موسى -
——————————————————————————–

هذه خيبتهم
حـرب زعزعـت ثقـة الإسـرائيلييـن بقيـاداتهـم.. وجيشهـم

ليس ثمة أكثر رمزية من أن تحل الذكرى الثانية للعدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان بعد أيام من إقرار الحكومة الإسرائيلية لصفقة تبادل الأسرى مع حزب الله. ولا يقل رمزية عن ذلك أن يعقد المجلس الوزاري الأمني المصغر في إسرائيل اجتماعاً خاصاً لمناقشة الخطر الذي يمثله حزب الله في الجنوب اللبناني بعد مضاعفته لقوته. وفي الحالين تنطلق الإشارة من إسرائيل بأن الحرب لم تحقق أياً من أهدافها الأساسية، لا بل أنها زعزعت المفهوم الرئيسي للأمن الإسرائيلي المتمثل بالحسم ونقل المعركة الى أرض العدو لتجنيب مدنييها نيران الحرب.
فحرب لبنان الثانية اختلفت عن غيرها من حروب إسرائيل بكونها الحرب الوحيدة التي حدد لها، بين أهداف عدة، هدف استرداد الأسيرين لدى حزب الله إيهود غولدفيسر وإلداد ريغف من دون قيد أو شرط. بل أن رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت أعلن أمام الكنيست أنه لن يخضع »لابتزاز منظمة إرهابية« وأنه »لن يتفاوض« معها.
وربما أن قرار الحكومة الإسرائيلية بتصديق هيكل الاتفاق الذي أبرمه الوسيط الألماني غيرهارد كونراد يعبر عن الإقرار بفشل محاولة أولمرت تكريس عقيدة جديدة في التعامل مع قضية الأسرى. فالقوة التي شعرت الحكومة الإسرائيلية بامتلاكها في أيار وحزيران من العام ٢٠٠٦ دفعت أولمرت لإعلان أن كل ما قبله يختلف عما لديه وأنه لن يقبل من الآن فصاعداً بالتفاوض على الأسرى. وأعلن استعداده لخوض حرب من أجل ألا تخضع إسرائيل »للابتزاز« من جانب »منظمات إرهابية«.
والرسالة التي أراد أولمرت وحكومته إيصالها سواء مع الفلسطينيين في غزة أو حزب الله في لبنان تقول بأن إسرائيل القوية تمتلك ضواغط تحول دون خضوعها للابتزاز. وأن بوسع إسرائيل أن تلقن الآخرين درساً يحرمهم من التفكير ثانية بإمكانية استفزازها سواء بأسر جنودها أو بمناوشتها. وكما هو واضح فإن نتائج هذه المحاولة كانت كارثية على الصعيد الإسرائيلي من أكثر من ناحية.
غير أن أولمرت وحكومته استغلوا الحرب لتصفية حسابات إقليمية ودولية مع حزب الله عبر سعي واضح لتقزيمه في لبنان أو شطبه. وتظهر المداولات التي جرت في المجلس الوزاري الأمني المصغر أن نتائج الحرب كما تتجلى ميدانيا بعد عامين من شنها تثير القلق بشكل كبير. وقد عرضت أمام المجلس معطيات تظهر أن قوة الحزب الصاروخية تضاعفت ثلاث مرات عما كانت عليه قبل الحرب وأن قوته السياسية تعاظمت. وجرت الإشارة على وجه الخصوص إلى ما سمي بامتلاك حزب الله عبر تحالفاته »حق النقض« في الحكومة اللبنانية.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن إسرائيل التي اعتبرت القرار ١٧٠١ درة تاج إنجازاتها في حرب لبنان الثانية غدت تتحدث عنه بوصفه »خرائب« و»أطلال«. وأشارت عبر تصريحات مسؤوليها إلى أن الواقع القائم يشهد على أن حزب الله »يتعاظم، يتحصن ويتسلح« وأن لديه »أكثر من أربعين ألف صاروخ تغطي حوالى نصف أراضي إسرائيل«.
غياب رموز الحرب
بعد عامين من الحرب يمكن بكل بساطة ملاحظة أن كل رموزها السياسيين والعسكريين، عدا إيهود أولمرت، قد اختفوا عن الحلبة. وأولمرت مازال يصارع، ويبدو أنه في الرمق الأخير، للبقاء في الحلبة بعد الضربة التي وجهتها تلك الحرب له ولمخططاته. فالكثيرون يؤمنون أنه لو حقق أولمرت إنجازا في تلك الحرب ربما لما وجد نفسه في الضائقة القانونية وأصلا الشعبية التي يعيش فيها. فالحرب قادت عملياً إلى اتخاذ القرار مؤخراً بإجراء انتخابات تمهيدية لزعامة كديما في منتصف أيلول المقبل. ومن شبه المؤكد أن أولمرت لن يشارك في التنافس فيها وأنه سوف يسعى خلال الشهور القليلة المقبلة للانسحاب من الحلبة بأقل ضرر ممكن.
فقد اختفى عن موقع التأثير وزير الدفاع عمير بيرتس الذي انحسر نفوذه ليبقى مجرد عضو كنيست بعدما أطاحت به الحملة التي تكثفت بعد تقرير لجنة فينوغراد حول إخفاقات الحرب. وكذا الحال مع رئيس الأركان في حينه دان حلوتس الذي آثر اللجوء إلى العمل الخاص كمدير عام لشركة »كمور موتورز« التي تملك وكالة شركة بي إم دبليو. كما أن نائبه في زمن الحرب موشيه كابلينسكي اضطر للانسحاب من الجيش الذي بات يعيش أكبر مهمة إعادة ترميم في تاريخه. ومن المؤكد أن أحداً لم يعد يتذكر قائد الجبهة الشمالية أودي أدم الذي استقال فور انتهاء الحرب أو الجنرال غال هيرش قائد فرقة الجليل الذي ذهب للعمل مستشاراً في الجيش الجورجي.
تغيير في العقيدة
غير أن تأثيرات الحرب لم تقتصر على تغيير رموزها السياسيين والعسكريين بل تعدت ذلك إلى إبطال الكثير من المعتقدات التي سادت في الجيش الإسرائيلي في العقدين الأخيرين. وفور انتهاء الحرب، دشن الجيش العشرات من ورش العمل لبحث ومعرفة مواضع الخلل في الأداء. وبعد تعيين الجنرال غابي أشكنازي تخلى الجيش عن واحدة من أهم نظرياته في العقدين الماضيين وهي تقليص القوات المحاربة وتخفيض وتيرة تدريباتهم. وكانت إسرائيل قد أهملت، على الأقل منذ العام ،٢٠٠٠ القوات الاحتياطية واتجهت نحو تنفيذ شعار »الجيش الصغير والذكي«. وكان الميل هو تحويل الجيش إلى جيش شبه تطوعي وتخفيض مساحة الخدمة الإلزامية.
ويلخص خبراء التغيير الذي أحدثته الحرب ونتائجها على العقيدة القتالية الإسرائيلية بأنه الفهم باستحالة تحقيق الحسم عبر القوة النارية وأنه لا مفر من قوات برية تسيطر على الميدان. كما أنه لا معنى في الحروب للتخطيط لصفر إصابات وعدم المجازفة بأرواح الجنود لأن ذلك لا يحقق النصر.

تشييع شهداء حزب الله وامل والشيوعي في صريفا

ومن البديهي أن نظرة المجتمع الإسرائيلي للجيش الذي قيل عنه إنه »خيب أمل نفسه في نفسه« تردت بأشكال كبيرة. ولا يقوم هذا التردي على رؤية المجتمع له وحسب بل على رؤيته لنفسه أيضاً. وفي استطلاع جرى مؤخراً ونشر في صحيفة »إسرائيل اليوم« تبين أن ما لا يقل عن ثلث من يؤدون الخدمة النظامية يبحثون عن بدائل عمل خارج الجيش. وكل ذلك رغم الجهود الهائلة التي بذلت في العامين الأخيرين والتي أسهمت في تراجع هذه النسبة عما كانت عليه في العام الفائت وهي أربعون في المئة. ولا يخفي الذين استطلعت آراؤهم في الجيش حقيقة أن أبرز الأسباب وراء الرغبة في الخروج من الجيش تكمن في نتائج حرب لبنان الثانية.
فقدان الثقة
ويمكن فهم المعنى الحقيقي لنتائج حرب لبنان الثانية بعد عامين من نشوبها من استطلاع للرأي العام كشف عن حقيقة معاكسة لما أرادته حكومة أولمرت. فنتائج الحرب التي شنت لردع الجانب العربي انعكست سلباً على الجمهور الإسرائيلي. إذا أشار الاستطلاع الذي نشرته القناة العاشرة في التلفزيون إلى أن ٥٧ في المئة من الإسرائيليين لا يؤيدون شن حرب بسبب أسر جنود على أيدي منظمات على الحدود الشمالية. وقال هؤلاء إنه لا ينبغي لإسرائيل أن تشن حرباً في الغد إذا جرى اختطاف جنديين آخرين على الحدود مع لبنان.
والأهم أن حرب لبنان الثانية ونتائجها أضعفت أيضاً ثقة الجمهور بالقيادة السياسية عموماً وبرئيس الحكومة إيهود أولمرت على وجه الخصوص. وقد أجاب ٤٠ في المئة عن سؤال يتعلق بالثقة بأنهم لا يثقون بأي من القادة السياسيين المدرجين. وتبين أن ٢٪ يثقون بقدرة أولمرت على قيادتهم في الحرب المقبلة مقابل ٧٪ بتسيبي ليفني و١٠٪ بشاؤول موفاز و١٦ ٪ بإيهود باراك و١٩٪ ببنيامين نتنياهو.
ردع مقلوب
وخلافاً لجميع الإدعاءات الرسمية الإسرائيلية بزيادة قدرة الردع جراء الإفراط في استخدام القوة وعدم التناسب بين السبب وبين النتيجة فإن الواقع يشير إلى عكس ذلك.
فحرب لبنان الثانية أنهت المرحلة التي كانت فيها الجبهة الداخلية الإسرائيلية تنعم بالهدوء في زمن الحرب. بل أن عدداً من السياسيين الإسرائيليين صاروا يرون أن هذه الجبهة الداخلية باتت عملياً، نقطة الضعف المركزية، والجبهة الأشد سخونة في أي حرب.
ولا ريب أن هذا الفهم هو ما بات يشكل قيداً ذهنياً ومادياً على صناع القرار السياسي والعسكري في إسرائيل الذين باتوا يحملون على كاهلهم عبء راحة ورفاهية مئات الآلاف من الإسرائيليين. وإذا كانت إسرائيل على قناعة بأن نصف أراضيها تقع في مرمى صواريخ حزب الله، فإن الأمر يتعلق بأكثر من ثلثي السكان مما يجعل كل قرار بالحرب مسؤولية صعبة الاحتمال. وربما لهذا السبب يرى خبراء عسكريون إسرائيليون أنه في مواجهة تعاظم قوة حزب الله في لبنان ليس أمام إسرائيل سوى الخيار الدبلوماسي.
وعلى الرغم من كل ما تكشف من عيوب في تجهيز الجبهة الداخلية للحرب فإن مرور عامين لم يغير من الواقع شيئاً. ما زالت العيوب على حالها تقريباً، وفق تقرير المراقب العام للدولة العبرية ولم يتغير الكثير على صعيد تجهيز الملاجئ أو إعداد قوى الدفاع المدني. كما أن كل ما يشاع عن توفير درع صاروخي لمواجهة الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى بقي حتى الآن مجرد أمنيات.

وقد تشكلت مدنياً السلطة العليا للطوارئ والتي أخضعت لوزارة الدفاع، ولكن عدا عن تحديد جهات التنسيق والمسؤوليات لم يطرأ تغيير فعلي في العلاقة بين الأجهزة وفي الوسائل المتوفرة لأي منها. كما أن الميزانيات التي خصصت لبناء منظمات دفاعية تكتيكية واستراتيجية لم تثمر حتى الآن معطيات جدية على الأرض. وفي ذهن الخبراء لا تزال الطريق طويلة لحماية المناطق المأهولة والمنشآت الاستراتيجية في الجبهة الداخلية.


اترك رداً

ردك:

التصنيفات