«زلغوطة»…!
لا زلتُ أذكر منذ عهد الطفولة في مدينتي «صور» تلك السيدة البدينة المعروفة باسم «أم حفيظ الحندقّة», صاحبة الطريقة الخاصة والمميزة في أداء فن الزغاريد «الزلاغيط», والتي شكّلت آنذاك ظاهرة استثنائية على طول ساحل حوض البحر الأبيض المتوسط, وخصّصتها موسوعة «الصوت الهدّار» بصفحتين مهمتين تحت باب «آويها» حيث اعتبرتها من المواهب اللبنانية الخارقة, التي لا تتكرر, ومن النماذج العالمية التي لا تُستعاد. وقد تمتّعت «سيدتنا» ببشرة بيضاء وشعر أسود, وبدانة «مفرطة», فاق وزنها تقديراً المئة وعشرة كيلوغرامات, وأخذ حجمها مساحة لا بأس بها من جغرافية المدينة, حتى أنني ظننتُ حينها أنها تشتري قماش ملابسها بـ«الدونم» وليس بـ«الذراع» أو «المتر». وكانت تمشي هذا إذا مشتْ بواسطة الدفع القوي المفاجئ من الخلف, أي أن يدفشها أحدهم حسب طلبها ولا تقف إلاّ عند نهاية زخم «الدفشة», فهي لا تملك أي نوع من أنواع «الفرامل». وكان شكلها الخارجي يشبه «البالون» الضخم المملوء بالماء€ يطجّ ويرجّ€ يلقّ ويهقّ€ يتمايل ويميد€يهتز ويعيد€ ينثني ويتثنى, بالمفرد والجمع والمثنّى€. وعلى الرغم من «سمنتها» الهائلة, استطاعت أن تتجمّع وتضبّ جسدها, وتستوعب «هلاهيط» زنودها وضواحي أطرافها بنحو من عشرة «مشدّات» مطاطة ماركة «دنلوب» باب أول. وكان المشهور عنها عدم احساسها بالبرد والصقيع, على اعتبار أن البرد القارس إذا دهمها وَجَبَ عليه أن يجتاز مسافة السماكة الكثيفة لطبقات جلدها, وتلابيب شحمها, و«هباير» لحمها, ليصل بعد وقت طويل الى مشارف عظمها منهكاً على آخر رمق, وعندئذ يكون موسم البرد قد رحل و«خلصت الشتوية»!!
وفي عصر أحد أيام الصيف أقيم عرس حافل لأحد أقاربنا في منزل أهله التراثي. وكانت «أم حفيظ» مدعوة إليه. وفي خضم «عجقة» «المعازيم» تعالت الأصوات معلنة عن وصولها, حيث شكّل لها الجمهور فوراً «كوريدوراً» خالياً دفشوها فيه فـ«كَرَجَت» من دون توقف الى الغرفة التي جلست فيها العروس في الطابق الأرضي, بعد أن سبقها أطفال الحي. وكانت العروس بفستانها الأبيض تجلس أمام المرآة وتضع اللمسات الأخيرة على طرحتها بمساعدة شقيقاتها ومصفّفة الشعر الوحيدة في المدينة الآنسة «ماتيلدا بلابيطا». وما ان أصبحت «أم حفيظ» في الداخل, حتى أطلقت قذيفة «آويها»… من عبار 175 ملم, سقطتْ على أثرها الصور واللوحات المعلّقة على الجدران! كما وقعت في المطبخ مشكّات الصحون, ومشاكيك البصل والثوم… وطقّ زجاج ساعة الحائط الأثرية, وانشلّ عقرباها نهائياً… وتوقف الزمن! وسقط الكنار الجميل على البلكون شهيداً في قفصه, وبدأ الأطفال بالبكاء, فهربت الهررة وغالبية المعازيم. بعد ذلك انبجستْ «الست» فارتجزت, وفرشخت واستعدّت, ممسكة بعموديّ الغرفة الرخاميين كشمشون الجبار, آخذة نفساً دهرياً عميقاً, كمن شفط ماء حوض سباحة بأكمله, لتنخع عن سابق تصوّر وترصّد وتصميم «الآويها» الثانية وتصل بها الى قمة «الزعيق» الحرّاق الخنّاق. إذ فجأة فلتَتْ جميع أزرار ورباطات المشدّات التي تمسك وتردع بدنها, ولعلع صوت تمزق قماش أثوابها, فاكفهرّ الجو وزاغت الأبصار, ولم يشعر الأطفال في الغرفة إلاّ وضربات عملاقة من كتل اللحم الأبيض تلطع بهم وتلصقهم على الجدران, ليسقطوا بعدها مع العروس وشقيقاتها ومصففة الشعر على هضاب وكثبان مؤخرة الست «أم حفيظ» التي وقعت وانفلشت على كامل «التراب الوطني» للغرفة. هنا علا الهرج والمرج, فدخلتْ النساء لربطها وتحزيمها من جديد بالمشدّات لتمكينها من الخروج من باب الغرفة في حين بدأ أهل العريس بإحصاء الأضرار.
بعد هذا, لست أدري أيها الكرام إذا كان النداء بشدّ الأحزمة لا يزال يوصل الى حلول, طالما أن أفراحنا تؤدي دائماً الى فلتان الأزرار… وفضح الأسرار… والانفجار!!
أيها الأحبّة يقول المثل: كان ناقص هـ«الدِّكّة» شرطوطة, ونحن نقول: لا… كان ناقص هالبلد «زلغوطة»!!
E-Mail:Kahwaji_ ghazi@hotmail.com
غازي قهوجي








