Posted by: إدارة موقع رأس كتان | اغسطس 1, 2008

الماضي المستمر…!

عندما تتعقد الأمور وتتأزم الأحوال وتنعدم الحلول: سياسياً, اقتصادياً, اجتماعياً, أخلاقياً, وثقافياً… تعمد «الجمهرة» الكبيرة من شعبنا الى تناسي واغفال بؤس «الحاضر» وذلك بنيّة وهدف الرجوع الى الوراء لاستحضار «الماضي», واختيار بعض لحظاته أو أيامه الجميلة بواسطة أحلام اليقظة وخداع الذات, والترديد المستمر والتكرار الروتيني لعبارة: «سقى الله أيام زمان»! وترتكز الرومانسية العربية على امتداد أفقها «البكّاء» على أن «الماضي» ­ فقط ­ هو الجيد والجميل, وأن «الحاضر» هو الرديء والدميم. والذهاب العربي اليومي الى «الماضي» كان ولا يزال من العناوين الاستراتيجية الكبيرة لمسيرة الأمة. وربما لهذا استعمل العرب وبكثافة في الكتابة وإبداء الرأي وشرح الأفكار والمفاوضات, صيغة «الفعل الماضي»! حتى لكأن أفعال «الحاضر والمضارع والمستقبل» غير موجودة في اللغة العربية.
ولقد أدّى تعاقب الخيبات, وسقوط المبادرات وكبت الحريات وادماننا المزمن على التنازلات, الى «الحنين» الجارف للالتحاق بفردوس مفقود, حيث أصابنا بحريق «النوستالجيا» المبنيّة على «انتظار» الذي لن يأتي!!
ومنذ سقوط الدولة العباسية وانهيار مجد الأندلس, ونحن نمرّ بكل أشكال الخيانات والصفقات, والنكسات. وما سعير واشتعال النار في فلسطين, والجراح المفتوحة في العراق ولبنان واليمن… المتزامنة مع سطوع ابداعات الـ«ستار أكاديمي» و«سوبر ستار» وسائر السوبرماركت, إلا نتيجة «الغياب» المدوّي لـ«الحاضر» والحضور الصارخ لـ«الماضي»!!
وانطلاقاً من هذا الشتات والتشتت والضياع, امتشقنا «السيوف» في عصر تقنية «الذرة»! ومارسنا «الطغيان» في زمن «الديمقراطية»! وسفَّهنا معتقداتنا وغلفناها بـ«ظلامية» حالكة متنوعة في أزمنة «التنوير»!!
وتأسيساً على هذا النهج «الماضوي» سعينا وما زلنا نسعى الى طرح أسماء وعناوين وتسميات نابعة من هروبنا المستمر من «الزمن» المعاصر, وألبسناها ثوباً متحفياً ­ سلفياً ليتناسب مع كل تجليات وصيغ «الأفعال الماضية».
وإيماناً منا بروتينية ورتابة الخطاب العربي المبتدئ بجملة «كان يا ما كان… في قديم الزمان, وسالف العصر والأوان»… فإننا نرى أمامنا مجموعة من المطاعم الحديثة «الموجودة والمعروفة», بأسماء مسحورة ببريق الماضي, منها مثلاً: مطعم «أيام زمان», مطعم «الخوابي», مطعم «الأطلال», مطعم «الطربوش», مطعم «لقمة ستي», مطعم «الضيعة», مطعم «خان المير», مطعم «الجسر العتيق», مطعم «جدودنا»…!!
وتماهياً مع فكرنا المتناقض مع «الواقع» فقد أطلقنا اسم «الشلال» على منتزه في الصحراء! حيث لا ماء ولا من يشربون أو يحزنون! وأطلقنا اسم «صحارى» على مطعم أو فندق على شاطئ البحر! حتى لكأننا بهذه الصيغ والتسميات نحاول استعادة المطارح ونقلها الى حيث نحلم. بمعنى آخر, اننا وعلى الدوام نجهد ونتمنى أن ننقل «الماضي», ليكون معنا في حلّنا وترحالنا, ليصبح «الحاضر» بكل تفاصيله «ماضياً» تأنس به الروح ويرتاح معه الفؤاد!… وبذلك نخلص ونتخلص من كل مشاكل وأزمات وارباكات وهزائم الواقع! «الحاضر»!
ولكن أدهى ما أخشاه اليوم هو أن تؤدي «لوثة» الحلم بـ«الماضي» الى السعي الحثيث وبذل الجهد في سبيل الوصول الى بناء «مجتمع سابق»!!
ساعتئذٍ: ومع «أسمهان» سنغني جميعاً: يا حبيبي تعالَ الحَقني, وشوف اللي جرالي…!!

E-Mail:Kahwaji_ ghazi@hotmail.com

غازي قهوجي


اترك رداً

ردك:

التصنيفات