كَلْبَنَة…!
منذ القديم دجّن الانسان الكلب, فأصبح بمرور الزمن رفيقه وحارسه, ومراقب قطيعه, وناطور حقله ومسكنه. ولقد وُصف على الدوام بالوفاء والأمانة والنخوة والشهامة والإقدام, وتناولته قرائح الشعراء بالعديد من الصفات الحميدة, حتى أمسى أقرب حيوان مُدجَّن الى قلب الانسان, وبالمقابل باتَ الانسان, الحيوان «الوحيد» المميّز الذي أنسَ به واستراح إليه الكلب!!
وبعد أن نشأت وتشكّلت الحواضر والمدن, انحصرت مهمات الكلاب الوظائفية في الريف, وفي المزارع والمراعي والمروج, أما الكلاب, التي جَلَبَها الانسان معه الى المدينة, أو التي استوردها فيما بعد بأنواعها المتعددة وفصائلها المتنوعة. فإنها تطبّعت بعادات وتقاليد وأمزجة «مدينيّة» متحذلقة, بعيدة كل البعد عن المضمون القيّم لمفهوم «الكَلْبَنَة» الأصيل!! واقتناها البعض واحتفظ بها فقط على سبيل الهواية والغواية والاستعراض, الى أن انقلبت وتبدّلت الأدوار, وتماهَتْ المقاصد والأهداف, إذ وَجَبَ أن يكون مالك الكلب هو نفسه: الحارس والمراقب والناطور, حتى لا نقول, الكلب الأمين لكلبه!!
وفي آخر المعلومات الطبية الجادّة في رصد مكوّنات تركيبة جسد الانسان, تبين أن 75€ من جيناته, موجودة بشكل دقيق عند الكلاب! ولقد اجرى العلماء قراءات مستفيضة على رسوم وتخطيطات جينات الكلاب, التي هي عبارة عن بيانات تشرح تفاصيل المركّبات الفيزيولوجيّة والنفسية والاجتماعية والوراثية… لأهم وأميز وأوضح النابحين بين ظهرانينا, وأرشق وأهضم من هزّ ذنباً تقرّباً وتودداً من بين جميع بني حيوان على الاطلاق!!! وذلك للافادة منها ومقارنتها مع طبائع الانسان!!
وألقت هذه الدراسة القيّمة الأضواء على حقائق مثيرة للاهتمام, وثبتت فائدتها للباحثين والاختصاصيين والمتعمّقين في فقه النباح وفلسفة العواء, الذين يهتمون بأمراض الانسان والكلب على السواء, حيث يستوي ويتساوى الاثنان في طريقة العلاج وفي نوع الدواء! وقال علماء من الولايات المتحدة الأميركية, حيث يوجد أكبر عدد من الكلاب في العالم حسب احصاءات جمعية الرفق بالحيوان انهم تمكنوا من استخلاص معلومات فائقة الدقّة من جينات الكلاب, وقاموا بدراسات محورية مكثّفة حول حاسة الشمّ عندها.
وانطلاقاً من ركائز علم الجينات المقارن «الكلبوبَشَر», تبيّن أن الكلب والانسان يجتمعان ويتوافقان ويتوحّدان بحاسة «الشم»! هذه «الوحدة», التي قيل بأنها أهمّ من «الوحدة العربية»!! أو على الأقل أقوى وأفعل من التضامن العربي المزعوم.
وقد استطاعت الكلاب استعمال كامل قدراتها «الشميّة» في كشف واستكشاف المواد الممنوعة والمحظورة, من مخدرات وسموم ومتفجرات, والتقصّي الدؤوب, وبكفاءة عالية لتعقيدات وملابسات جرائم القتل والخطف والسرقات, كما استطاعت, وبدقّة متناهية التمييز بين الصديق والعدو, وبين اللطيف و«السئيل», وبين الوطني والعميل!… وبين النملة والفيل…!!
وكثيراً ما يصف الانكليز حياة الرغَد والسعادة بجملة: DOGصS LIFE! أي حياة كلاب! وذلك للدلالة على منتهى الرفاهية والعيش الهنيء!!
وبما أن علم الجينات «الشميّ» قد حَسَمَ أمر الأخوّة والعمومة والخؤولة مع الكلاب, فقد آن الأوان, خصوصاً بعد كل ما جرى ويجري أن يرتقي البعض من السياسيين الى مستوى الكلاب!!!
E-Mail:Kahwaji_ ghazi@hotmail.com
غازي قهوجي








