بين «الفُول» و«الفَاوْل» والتفاؤل…!
ضاقَتْ جميع السبل في وجه المواطن الصالح «ابراهيم» بعد أن عمل في مهن عديدة انتهى بها جميعاً الى الفشل لأسباب خاصة وعامة وفي أغلب الأحيان الأمرين معاً!
وبعد سلسلة طويلة حافلة بالإحباطات والانتكاسات والهزائم والصدمات, جاءه الإلهام وتفتَّقت عبقريته عن اكتشاف يفسح له في المجال مجدداً الى خوض غمار الحياة بنجاح, والوقوف على أرض صلبة لا يهزُّها هبوط الدولار ولا ارتفاع سعر برميل النفط ولا تلاعب وَدَحْرَجَة أي برميل آخر!! فقرَّر أن يفتح دكاناً لبيع «شورباء العدس»! واختار شارعاً شعبياً مكتظاً بالناس في زاوية مطلع درج لمبنى قديم يعود لأيام الانتداب الفرنسي على لبنان, ثمَّ عَلَّق لافتة قماشية كبيرة تعلن عن الافتتاح وبدء تقديم الشورباء الساخنة تحت اسم «شوربا تروتوار».
كانت دكان «ابراهيم» مواجهة تماماً لدكَّان على الرصيف المقابل لبيع «الفول» المدمّس. وتبيّن أن فكرة مشروع «العدس» بالذات, كان لها دلالات وإشارات ومعانٍ و«مغازٍ» كبيرة, واعتبرت من قبل الجميع ركيزة من ركائز الوفاق الوطني المنشود ومدخلاً إيديولوجياً الى جوهر «العروبة» وركناً أساسياً في مسيرة بناء التنمية المستدامة, وحصناً حصيناً منيعاً يحضن ويقي ويحمي صيغة العيش المشترك التي ترفع من قيمة «التبُّولة والكبة النيَّة» و«الششبَرَك» وأي «خازوق» أو «زُنبَرَك»!! هذا الى جانب مزايا وعطايا «الفول» وحضوره التراثي الدائم في حياتنا كضرورة قومية وطنية في سياسة الانماء المتوازن والمحاصصة, وفي تشكيل وبلورة معنى الاخوَّة المنضوية تحت بيارق المذهبية والطائفية والمناطقية وباقي الجماليات المخفية.
وتبعاً لمبدأ المنافسة في ظل «الاقتصاد الحر», كان لا بد من أن تندلع حمى المضاربات بين الدكَّانين المتقابلين. وكالعادة انقسم اللبنانيون الى جماعتين, جماعة أكل «الفول» وجماعة أكل «العدس» فيما بقينا نحن الفريق الثالث, من جماعة أكل «الهوا!!».
بعد ذلك علا وطيس الصراع فَبَرَزَت تيارات عديدة ومدعومة من أكثر من طرف خارجي وداخلي وقارب أمر النزاع حدوداً ونقاطاً خطيرة, وَوَصَلَ الأمر الى «منظمة الحبوب العالمية» و«جامعة البطاطا العربية»! وبحث الموضوع في «مجلس الحنطة الدولي!!».
وعلى الرغم من كل الوساطات وصدور القرارات, استمَّرت الخلافات والانشقاقات بالاتساع وبدأت البلاد بالتفسُّخ والتفتت والضياع.
وفي إحدى المعارك الضارية بين الجماعتين أصيب صاحبنا «ابراهيم» بضربة «مغرفة» نحاسية كبيرة €كفكير€ أعطَبَت له كتفه «اليمنى», مما حمله على الهرب متحاملاً على آلامه المبرّحة, فهاجر الى «استراليا», حيث سريعاً تلقَّى هناك ضربة «مغرفة» ثانية من أحد الاخوة العرب, لخلاف عنيف حول «عروبة لبنان», فأعطبت له كتفه «اليسرى»!! ومنذ ذلك الحين ضاع «برهوم» وطاش حجره بين كتفيه المعطوبتين! ليعود في نهاية المطاف الى قريته في «الجنوب» ويموت هناك بإحدى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت «المدنيين», فيما كانت البلاد بأمها وأبيها وعَجْرها وبَجْرِها تتهدَّم وتنهار بين قنابل «العدس» ومدافع «الفول!!».
E-Mail:Kahwaji_ ghazi@hotmail.com
غازي قهوجي








