كسر «العاصفة المتراكمة» لحزب اللّه إسرائيليّاً
يحيى دبوق
——————————————————————————–
يشتهر رئيس الوزراء البريطاني السابق، ونستون تشرشل، من بين ما يشتهر به، أنه كان يصف الفترة الزمنية السابقة للحرب العالمية الثانية، بـ«العاصفة المتراكمة».
في حينه، كانت ألمانيا النازية ضعيفة نسبياً، لكنها تعمل بجد كي تراكم القوة والقدرة العسكرية. في المقابل، لم يكن الغرب يتعظ بالأصوات التي كانت تطالب بمعالجة الوضع النازي الناشئ، وحاول احتواءه، من دون أن يصطدم به، إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية لاحقاً، ودفع أثماناً باهظة جداً لمواجهته.
يحلو لبعض الإسرائيليين الاستشهاد بمرحلة «العاصفة المتراكمة» ومقارنتها بما يشاع إسرائيلياً عن تسارع وتيرة تعاظم حزب الله من الناحية العسكرية، مطالبين بالعمل الفوري على معالجة الحزب، ما دام الثمن الممكن تقديره ودفعه، حالياً، أقل من الثمن الواجب دفعه في حال ترحيل المعالجة إلى وقت مستقبلي لاحق. ويرى هذا البعض أن الثمن في حال ترحيل المعالجة، علاوة على التكلفة المرتفعة، قد لا يكون بالإمكان دفعه، وخاصة إن صدقت التقديرات بامتلاك الحزب لسلاح نوعي «كاسر للتوازن»، قبالة الدولة العبرية.
لفت في الحديث الإسرائيلي كلام للرئيس السابق لقسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، العميد يعقوب عميدرور، قسّم فيه أصحاب القرار الإسرائيلي وذوي التأثير فيه إلى فئتين اثنتين تبحث كل فئة عن مدى التكلفة ومدى الفائدة في حال الإقدام على توجيه ضربة أو خوض مواجهة مع حزب الله. الأولى ترى وجوب المبادرة سريعاً إلى عمل عدائي لأن الثمن الممكن أن يُدفع حالياً أقل بكثير من الثمن الممكن أن يدفع لاحقاً. بينما ترى الثانية وجوب احتواء الحزب وترحيل المواجهة معه بقدر الإمكان إلى وقت لاحق، انتظاراً لتغيير ما في الظروف. كان توصيف «عميدرور» لافتاً، ولا يبعد أن يكون صحيحاً.
هل هذا يعني أن إسرائيل لن تُقدم على مغامرة أمنية أو عسكرية تجاه لبنان؟ منطق الأمور يشير إلى ذلك، حتى الآن. فمع مرور عامين على حرب عام 2006، امتنعت إسرائيل عن القيام بمغامرات في الساحة اللبنانية، وسط علمها ويقينها بأن حزب الله يتعاظم من ناحية قدراته العسكرية. والامتناع هنا ليس امتناعاً إسرائيلياً أخلاقياً أو خشية على إيذاء لبنان، بل هو ناتج من الثمن المقدر أنه سيُدفَع إذا قررت إسرائيل المواجهة مع الحزب، وخاصة أن دافعها لذلك (ضرب الحزب) هو دافع كبير جداً، وأن كل القوس السياسي والعسكري لديها مشبعة بكل الحوافز الممكن تصورها للقيام بضربة تعيد الاعتبار إليها، وتجبر الانكسار المتأتي من فشلها في الحرب، سواء على صعيد الوعي الذاتي لدى الإسرائيليين أنفسهم، أو لدى خصومها وأعدائها، وكذلك أيضاً لدى أصدقائها.
ما تقدّم يفرض تصويب السؤال ليصبح على الشكل الآتي: هل ينسحب الارتداع الإسرائيلي المتأتي من تعاظم الكلفة والثمن المقدر دفعه، في حال المواجهة مع حزب الله، والمستمر منذ عامين، ليستقر أيضاً في مقبل الأيام؟ ترتبط المسألة، كإجابة، بما يمكن أن يُعدّل من مستوى ردعية إسرائيل، بعيداً عن القدرة المادية الواقعية الموجودة لديها.
إن كان مستوى الردع يزيد لجهة منسوبه ليطفو ويتقدم على الدوافع والأسباب المحفزة للعمل العدائي، مهما كان هذا العمل، فإن إسرائيل لن تقدم (تقديراً) على المواجهة أو فعل يفضي إلى مواجهة. ولا يضر بهذه النتيجة أن الحوافز القائمة أو المستجدة أو المتراكمة، تدفع أساساً وبطبيعتها إلى فعل عدائي، ما دام الثمن المقدر إسرائيلياً دفعه، أعلى بكثير من الفوائد المتوقعة منه، حتى وإن وجدت وتراكمت حوافز دافعة إليه، وخاصة أن هناك ثباتاً في التقدير الإسرائيلي بأن لا وسيلة عسكرية ناجعة لإنهاء الحزب. ويزيد أيضا من صوابية هذا التقدير، أن امتلاك الحزب لسلاح نوعي وكاسر للتوازن، كما تشيع إسرائيل في الآونة الأخيرة، يُنمّي من الكلفة والثمن ولا يخفضهما، وبالتالي يزيد من الارتداع الإسرائيلي، بشكل أكيد.
——————————————————————————–
- جريدة السفير .








