الرحلة الساخنة في الحرب الباردة
دمشق ـ سعاد جروس
رحلة الرئيس بشار الاسد الى موسكو جاءت في لحظة استراتيجية بالغة الاهمية على مستوى العلاقات الاميركية الروسية. وأفضل توصيف لهذه الرحلة قد يكون انها «رحلة ساخنة في عمق الحرب الباردة» التي تطل برأسها من جديد في القوقاز وأوروبا الشرقية وعلى ضفاف المتوسط الشرقي. ماذا في الرحلة وما هي العوامل التي تتضافر في تعزيز دور سوريا الاقليمي؟
زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الى روسيا الأسبوع الماضي استقطبت اهتماماً دولياً واقليمياً كبيراً, وكان للمواقف التي أعلن عنها الأسد قبيل سفره الى روسيا في حديثه لصحيفتي «كوميرسانت» و«غازيتا» الروسيتين, دور أساسي في تسليط الاعلام الأضواء على الزيارة التي أقلقت اسرائيل ولم تنل رضا أميركا, فيما اعتبر محللون الزيارة, بالتزامن مع تأزم الوضع في جورجيا, مؤشراً على بدء حصول تغيير في موازين القوى العالمية, بما ينذر بحدوث اصطفافات جديدة في المنطقة والعالم كواحدة من نتائج المواجهة بين أميركا وروسيا التي بدأت أولى جولاتها الساخنة في جورجيا.
والسؤال: أين موقع سوريا في التطورات الاخيرة؟
الرئيس السوري بشار الأسد استبق زيارته بإعلان استعداد بلاده «للتعاون مع روسيا في كل ما من شأنه أن يعزز أمنها». هذا الاعلان اعطى انطباعا بأن سوريا التي استعادت عدداً كبيراً من أوراقها, تسعى الآن الى جمع أوراق اضافية تعزز دورها الاقليمي بعد اتفاق الدوحة, والذي كانت ترجمته الاولى زيارة الأسد الى فرنسا, وتكرس في الحركة الدبلوماسية الناشطة على خط ايران سوريا تركيا, في اعادة صياغة التوازن وسد الفراغ الذي أحدثته السياسة الاميركية في ضرب الصف العربي وتقسيمه الى محاور «محور الاعتدال» و«محور التشدد» نتج منه تخلخل أو انفراط عقد المحور العربي الثلاثي الذي ظل قائما طوال العقود الماضية €مصر السعودية سوريا€, كصمام أمان للمنطقة.
ومع كسر فرنسا طوق العزل الذي كان مفروضاً على سوريا, واعادة العلاقات معها والافادة من موقعها لممارسة دور ايجابي في الملفات الساخنة وفي مقدمها الملف النووي الايراني, تهيأت الأرضية لإعادة ترتيب العلاقات في المنطقة وفق خريطة المصالح المشتركة لدول المنطقة. وباتت هذه الخريطة المجال الحيوي لنشاط الدبلوماسية السورية, ليس لاستعادة مواقعها في اللعبة الدولية, وانما لدعم أوراقها التفاوضية مع اسرائيل. ففي الوقت الذي تستعد دمشق لجولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل عبر الوسيط التركي, تحدث الأسد عن أهمية التعاون العسكري التقني مع روسيا وضرورة تسريع عملية شراء الأسلحة, مع أن الولايات المتحدة واسرائيل لا تكفان عن الضغط على روسيا وعلى سوريا معاً.
هذا التوجه السوري يجد مبرراته القوية في ما يجري في جورجيا, ويعتبر الأسد ذلك «نقطة انعطاف» في السياسة الروسية, التي تؤكد أن روسيا بوريس يلتسين ليست روسيا اليوم. واقتناع الرئيس السوري أنه كان لروسيا «صوت قوي جداً», أما الآن فلديها «يد قوية», وقد «أظهرت روسيا للعالم حالياً أنها لا تزال دولة عظمى». وفي ضوء هذه التطورات والضربة القاسية التي تعرضت لها روسيا في الظهر من قبل أميركا عبر الدور الاسرائيلي في جورجيا, قد لا تدعم روسيا بشكل مباشرة اعادة تشكل القوى السياسية في المنطقة وفق مثلث الايراني التركي السوري, لكنها لن تعارضه, وربما على العكس سيشكل هذا المحور بالنسبة اليها عامل ارتياح يوسع هامش مناورتها ازاء الولايات المتحدة الاميركية.
ومما لا شك فيه أن الوضع الراهن في جورجيا يشكل فرصة جديدة أمام سوريا ودول المنطقة للتحرك في اتجاه روسيا, لأكثر من اعتبار. محلل سياسي سوري متابع يقول ان روسيا بعد ما جرى في جورجيا هي أقوى مما كانت عليه, ولن تتساهل مع من يُعرّض عمق أمنها القومي للتهديد, وهي تمتلك كل الامكانات لتمارس دورها كقوة عظمى, وبما يعيد التوازن الى السياسة الدولية, بعد فشل سياسة القطب الواحد في ضمان الاستقرار والأمن الدوليين, هذا فضلاً عن بروز اسرائيل كدولة تزود المناطق المتوترة بالسلاح مثل جورجيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق, في مواكبة الضغوط الاميركية على روسيا ومساعي واشنطن لنشر دروع صاروخية في أوروبا الشرقية ومحاولة تطويق روسيا.
تلك العوامل وغيرها قد يترتب عليها في المستقبل القريب عملية اصطفاف في المنطقة. وترى الأوساط السياسية في دمشق أن الوضع الراهن في جورجيا لن يظل محصورا في القوقاز, بل ستكون له ارتدادات تصل الى دول المتوسط, كما يرى بعض المحللين الدوليين انها تنذر ببداية حرب باردة في ظل تعرض سياسة واشنطن لعدد من الإخفاقات وتساقط حلفائها الذين راحت تتخلى عنهم الواحد تلو الآخر, بدءا من برويز مشرف, مرورا بحلفائها في لبنان وفلسطين, وليس انتهاء بساكاشفيلي. وهؤلاء الحلفاء يعيشون الآن مرحلة هي الأسوأ في تاريخهم السياسي.
على وقع التحولات الجديدة, شكل رد الفعل الروسي مفاجأة لواشنطن التي اضطرت الى دعم ساكاشفيلي معنوياً من دون ابداء أي رغبة في دعمه عسكرياً, وذلك بعد عتبه على ادارة بوش, ما اعتبر تراخياً تجاه ما جرى في جورجيا, في حين تحركت فرنسا وألمانيا لاحتواء المشكلة الجورجية, باعتبارها مشكلة أوروبية يجب حلها مع روسيا, مما يوحي باستبعاد الأوربيين الدور الاميركي, الامر الذي لم يكن ممكنا قبل عامين أو عام واحد. الا أن تراجع الدور الاميركي بسبب سياسات بوش الحربية, وأيضاً الدخول في الوقت الضائع بين ادارتين, وما يفرضه ذلك من مرونة اميركية أو حتى تراخ حيال ما يحدث, فسح في المجال لمعسكر الدول المناوئة للسياسة الاميركية وفي مقدمتها ايران وسوريا للسعي الى استثمار الزمن الضائع كفرصة استثنائية لتدعيم مواقعها ومواقفها, مع العلم أن سوريا لا تعول كثيراً على الادارة الاميركية المقبلة. في هذه الادارة يقول الأسد «كل ادارة تورث الادارة اللاحقة كرة من النار, لكن حتى اذا جاءت الى السلطة ادارة شبيهة بالإدارة الحالية فمن المشكوك فيه أنها سترتكب أخطاء كالتي ارتكبتها سابقتها. أما اذا فاز من يريد ممارسة سياسة أكثر صواباً فستكون هناك تغييرات ولكنها محدودة جداً, لذا لا ينبغي لنا تعليق آمال كبيرة في هذا المجال».
ومع أن أحداً لا يرجح قيام أميركا بتوجيه ضربة الى ايران, أو القيام بحرب جديدة في المنطقة الا أن الرئيس السوري يتصرف وكأن هذا الاحتمال وارد, وهو لا يستبعد حدوثه. في هذا السياق يقول ان الادارة الحالية في الولايات المتحدة هي «إدارة حرب» لكن «حرباً ضد ايران لن تكون نزهة سهلة للولايات المتحدة», وانعكاسات حرب كهذه لن تقتصر على منطقة الخليج أو الشرق الأوسط فحسب, بل ستعمّ العالم بأسره. وأكد الأسد ضرورة «السعي لمنع حدوث هذه الحرب» رغم أن سوريا وايران لا تستبعدان هذا الاحتمال, لكنهما تبذلان جميع الجهود الممكنة للحيلولة دون ذلك.
من هنا يمكن اعتبار الحديث عن منطق القوة السائد في السياسة الدولية, ومسألة تفعيل وتسريع التعاون في المجال العسكري احدى الوسائل التي يمكن لسوريا استخدامها للحيلولة دون قيام أميركا بحرب أو تهديد أمن سوريا والمنطقة. ووصف زيارة الأسد الى روسيا بأنها زيارة استراتيجية يجد مبرراته, رغم نفي مصدر مسؤول أن «لا صحة لما تروجه بعض وسائل الاعلام عن أن سوريا وافقت على نشر صواريخ اسكندر فوق أراضيها», وأن هذا الموضوع لم يطرح خلال مباحثات الأسد مدفيديف. وكان الأسد تحدث عن هذا الموضوع قبل اللقاء, وقال انه قبل سنوات عدة طرحت سوريا مسألة شراء مجمعات «اسكندر» من روسيا. ولم يكن لهذه المسألة آنذاك أي ارتباط بالدرع الصاروخية الأميركية, وأن روسيا اقترحت على الجانب السوري انواعاً عدة من الأسلحة التي كان بإمكان سوريا شراؤها, ومن ضمنها مجمعات «اسكندر». إلا أن أي اقتراحات لم تقدم بشأن امكان رد روسيا على منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا من خلال مساعدة سوريا عبر نصب مجمعات صاروخية من هذا الطراز. ورغم ذلك فإن مجرد اثارة هذا الموضوع في الاعلام كان كافيا لإثارة قلق اسرائيل التي سارعت الى تحذير روسيا من بيع صواريخ بعيدة المدى لسوريا, وهذا في حد ذاته أمر يدفع الأطراف الدولية كافة الى اعادة حساباتها. إذ إن لقاء الأسدميدفيديف لم يكن مجرد لقاء للتعارف وبحث العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون, وانما يأتي على خلفية تطورات متسارعة تفرض اعادة تأكيد للمواقف تأهباً لمرحلة مقبلة سيكون فيها الفرز واضحاً. وفي اللقاء أبدت روسيا استعدادها لتزويد سوريا بأنواع جديدة من الأسلحة الدفاعية التي لا تخرق ميزان القوى في العالم, حسب تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عقب انتهاء مباحثات القمة بين الرئيسين السوري والروسي التي تناولت أيضا المسائل الدولية الأساسية وأكدت الدعوة الى حل سلمي على وجه الخصوص لقضية ايران النووية.
وفي ما يخص العراق توافق الجانبان على أن المفتاح لتسوية الوضع فيه «يتمثل في الانتقال الى حوار بين مكونات الشعب العراقي وتحديد مواعيد زمنية لسحب القوات الأجنبية من أراضي العراق». كما كان هناك اتفاق حول القضية الفلسطينية وحول أن غياب الوحدة الفلسطينية لا يزال مشكلة. وأعلن الجانبان استعدادهما لبذل الجهود لإقامة حوار بين الفلسطينيين من أجل وحدة الصف الفلسطيني. كما تطرقت المباحثات الى عملية السلام في الشرق الأوسط والدعم الروسي لها مع تأكيد حق سوريا في استرجاع الجولان المحتل, وقد عبر الجانب الروسي عن دعمه واستعداده لتقديم ما يلزم لإنجاح المفاوضات بين سوريا واسرائيل حين تصل الى مرحلة المفاوضات المباشرة. كما أكد الرئيس الروسي أن العلاقات السورية الروسية «تلعب دوراً محورياً في عدد من القضايا الدولية». وقال: نستطيع أن نبحث في كل الأمور التي تخص الحوار السوريالروسي الذي يتطور بديناميكية وبصورة جيدة.
هذه هي عناوين زيارة الأسد الى روسيا كما أوردتها التقارير والبيانات الرسمية, وهي تشير الى أن مجالا جديدا فسح في لعبة الاحتمالات التي يمكن أن تنفتح عليها تداعيات الأحداث الدولية والاقليمية, عبر تشبيك جديد للعلاقات بين دول آسيا والمتوسط. في الوقت الذي تم تشبيك العلاقات بين سوريا وايران وتركيا, وأيضا بين سوريا وفرنسا وما يليها من تشبيك مع دول أوروبية أخرى. والزيارة جاءت بعد رحلة الاسد الى كل من طهران وأنقرة وسبقت زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى دمشق في الرابع من الشهر المقبل, وهي تأتي متزامنة مع تأزم العلاقات الروسية الاسرائيلية والروسية الاميركية الذي يعطي مزيداً من الدفع لعمليات التشبيك تلك. كما ان الاخفاقات التي تسجلها سياسة الادارة الاميركية في المنطقة €أفغانستان العراقلبنان فلسطين€ وفشل سياسة عزل سوريا, كلها صبت في قناة تدعيم الأوراق السورية, لتمارس دورها الاقليمي كحلقة أساسية لا يمكن عزلها وتجازوها. وبالتالي فإن ما يقال عن عودة روسيا الى المياه الدافئة في المتوسط عبر قواعد عسكرية, دخلت حيز الممكن في حال استمرت الضغوط الاميركية على روسيا, واستمرت سياسة فتح بؤر توتر جديدة في الجمهوريات الروسية, عبر ضخ السلاح الاسرائيلي اليها, ما يجعل صفقات السلاح الروسية مع سوريا يحظى بشرعية مضاعفة. وهذا يعني أن كل شيء ممكن في الوقت الضائع الذي يعتبر الوقت الأمثل لبناء تحالفات جديدة لمعالجة تداعيات سياسة بوش, والحد من طموحات الامبراطورية الاميركية مع ترقب ادارة جديدة, ليس من المقبول ان ترتكب الأخطاء ذاتها التي ارتكبتها الادارة الراحلة, وهذا غير ممكن ما لم تتوسع قائمة الاحتمالات وتعزز أوراق المواجهة. فإذا كانت أميركا تعبث بالأمن القومي الروسي عبر الدعم الاسرائيلي لجورجيا, فإن سوريا لها مصلحة في الحصول على الدعم الروسي في تصديها لإسرائيل, أو على الأقل دعم أوراقها التفاوضية في عملية السلام. ويرى الأسد أن روسيا والعالم يدركان الآن تماماً دور اسرائيل ومستشاريها العسكريين في جورجيا, واذا وجد في روسيا سابقاً قياديون يعتقدون بأن هذه القوى يمكن أن تكون صديقة, فإن الأسد يعتقد أن «عددهم أصبح الآن أقل», لذا يفترض أن ذلك لن يعرقل بعد الآن التعاون العسكري بين الجانبين الروسي السوري.








