الحرب الأهلية… بالديموقراطية!
طلال سلمان
——————————————————————————–
تبشّر طلائع المعركة الانتخابية المقرر موعدها بعد تسعة شهور، بأن لبنان ذاهب إلى مزيد من الحروب الأهلية..
تحت شعارات الديموقراطية وإنفاذاً لإرادة الناخبين الحرة والمتحررة من أية هيمنة أو وصاية أو قسر أو إكراه، لا فرق بين أن يكون مادياً أو معنوياً!
بل إن ثمة قوى سياسية بدأت تستعد، منذ اليوم، لأنماط من التقسيم الواقعي كنتيجة حتمية لاعتماد قانون انتخابي وضع واعتمد قبل نصف قرن (قانون ١٩٦٠)، مع تجاهل مطلق لما طرأ في لبنان وعليه من تحولات وتبدلات في الديموغرافيا وفي الوقوعات السياسية والاجتماعية والأمنية، حتى لا ننسى الحروب الإسرائيلية وآثارها الباقية في النفوس وعلى الأرض.
.. والتقسيم الواقعي العتيد يمهد بل هو يبرر فيدراليات الطوائف التي تسهل، من بعد، شرعنتها بنظام كونفيدرالي، بذريعة احترام الخصوصيات الطائفية والمذهبية، ومنع طغيان طائفة على أخرى، أو استقواء مذهب على آخر، مع تجنب الحديث عن المخاطر السياسية على »الكيان« التي لا بد ستنتج عن هذا التغيير الفظ لمبررات وجوده.
ماذا يعني أن تنتخب كل طائفة نوابها، ولا يسمح »للغرباء« من المواطنين شركاء الحياة والمصير، أن يشاركوا في اللعبة الديموقراطية غير تقنين الفرز الطائفي الواقعي، الذي تم »على الأرض« خلال السنوات القليلة الماضية، ونتيجة لمسلسل من الحروب الأهلية المحلية/ العربية/ الدولية، والتي كانت إسرائيل دائماً طرفاً فيها ظاهراً أو مستتراً، بقدر ما كان »العامل الفلسطيني« سبباً ولو من موقع الضحية.
… وإلى جانب إسرائيل، وباعتبارها من المصالح الاستراتيجية العظمى للغرب عموماً ولمشروع الهيمنة الأميركية خاصة، فإن الطور الراهن من الصراع على الأرض العربية وفوقها ـ في غياب أهلها ـ يعتمد سياسة: ما لا أستطع أن آخذه كله أقسمه فآخذ منه نصيبي وأوظف الفوضى الناجمة عن تقسيمه لحماية حصتي فيه ومن حوله!
ومن أسف فإن اعتماد القانون العتيق للانتخابات، والذي وضع في ظروف سياسية واجتماعية مختلفة تماماً، محلياً وعربياً ودولياً، يخدم مثل هذه السياسة التي كانت وتبقى معادية ـ بطبيعتها ـ لمصالح اللبنانيين وسائر إخوانهم العرب في المنطقة التي يراد الآن نزع هويتها عنها.
ومع أن العديد من القيادات السياسية لا يخفي »ذعره« من مخاطر اعتماد هذا القانون الانتخابي العتيق، في ظل مناخ طوائفي محتدم، نتيجة لاعتماد الطائفية والمذهبية كسلاح سياسي فعال في »اللعبة الديموقراطية«، إلا أن الكل يذهب لإقرار هذا القانون التقسيمي مفتوح العينين، بعضهم بحماسة من يحقق حلم حياته، وبعضهم الآخر بإظهار عجزه عن وقف طوفان المشاعر الطائفية والمذهبية التي يشارك الجميع في تأجيجها، وإن اختلفت الأغراض.
واللبنانيون بين المطرقة والسندان: فبعض القيادات ترى في هذا القانون ما يطمئن طوائفها الخائفة (أو المخوفة)، وبعض آخر يخاف من الاعتراض حتى لا يتهم بطائفية تستعدي الطوائف الأخرى… وبعض ثالث يرى نفسه أضعف من أن يؤثر حتى لو اعترض، وأن صرخته ستضيع في الوادي السحيق للغرائز المذهبية والطائفية، ومع ذلك يطلقها تعبيراً عن وجعه اليوم وخوفاً من الغد المشحون بأسباب الحروب الأهلية الآتية.
أما في الخارج، فاللافت أن رعاة الديموقراطية والمبشرين بها إلى حد احتلال البلاد التي رأوا أن حكامها غير ديموقراطيين (العراق مثلاً)، بالقوة العسكرية، لا يبدون أي اعتراض، ولا يظهرون أي تخوف على مستقبل لبنان، بل إنهم ـ عملياً ـ في موقع المتواطئ، وربما كان بعضهم في موقع المؤيد أو المرحب أو المبتهج بهذا »التحول الديموقراطي« في النظام السياسي اللبناني، مع وعيه بأنه سينعكس ـ بالضرورة ـ على »الكيان« ووظيفته، في الداخل وفي »الإقليم« من حوله.
… ولافت أن يعود الموفدون الرسميون، العرب منهم والغربيون عموماً، وبالذات الفرنسيون (بمسؤوليتهم التاريخية الخاصة، كما يرونها وكما يتبناها بعض اللبنانيين! عن الكيان ونظامه الفريد) ثم الأميركيون الذين قادوا »الحروب« خلال السنوات الثلاث الماضية تحت شعار الديموقراطية والسيادة والاستقلال، فلا تصدر عنهم نأمة اعتراض، أو »نصيحة« أو »تنبيه« عن مخاطر هذه اللعبة الانتخابية بنتائجها السياسية المؤكدة..
هل صار التقسيم مصلحة لمختلف الأطراف الإقليمية والدولية التي تخوض الآن صراعاً مفتوحاً لرسم خريطة جديدة لهذه المنطقة العربية، بالهوية كما بالإرادة وبالمصالح كما بالطموح إلى مستقبل أفضل، بدليل أن أحداً لم يعترض على »الإنجاز السياسي« الأهم لاتفاق الدوحة، وهو التوافق على العودة بالبلاد وشعبها إلى قانون ،١٩٦٠ بتجاهل مقصود لكل التحولات التي شهدها لبنان، وشهدتها وتشهدها المنطقة من حوله؟
إن العودة إلى قانون ١٩٦٠ ليست حلاً، بل إنها تعكس تهرباً من مواجهة ما جرى ويجري في لبنان، من داخل نظرة أشمل إلى »منطقته«.
ومخاوف الطوائف لا تحل بالانقسام أو بالتقسيم، ولا طبعاً بالحرب الأهلية، بل تحلها إعادة صياغة النظام السياسي ـ استكمالاً لما أنتج في مؤتمر الطائف من تسويات ـ بما يضمن »مواقع« الأطراف جميعا في هيكلية الدولة دستورياً، مع إبقاء هامش ديموقراطي للمواطن لاختيار من يعبرون عن مصالحه لا غرائزه، وعن حقوقه في دولته لا عن أغراض زعماء الطوائف الذين سيقودونه لما يخدم ثباتهم في مواقع الهيمنة على الحكم وعلى الدولة والمصالح.. على حساب حقه في هامش للتعبير عن إرادته كمواطن وليس كرعية لطائفة يختصرها زعيمها عبر التهييج الديماغوجي وعبر ادعائه الوكالة الحصرية عن الطائفة، ودائماً على حساب حق الناس في أن يكونوا مواطنين في دولة تحمي مع مصالحهم كرامتهم دون أن تلغي طوائفهم… وحصصها من »جبنة« النظام!
الخوف، كل الخوف، أن يساق اللبنانيون بغرائزهم لتحقيق مشروع مدمر لمستقبل وحدتهم الوطنية وكيانهم السياسي وتطلعهم إلى ديموقراطية ما، ولو »توافقية«، بحرب أهلية من نوع جديد تخدم »الدول« جميعاً على حساب حقوقهم في وطنهم!
إنها ديموقراطية فريدة في بابها، يشارك في اصطناعها الجميع، كل لغرض، ثم تقدم إلى اللبنانيين كهدية مسمومة، وفي صيغة العرض الذي يستحيل رفضه!
——————————————————————————–
- جريدة السفير .








