الأكثرية تتجنـّب جرعة السمّ .. ولن ترهن مصيرها لانتخابات خاسرة
نبيل هيثم
——————————————————————————–
اتفاق الدوحة قال فورا، فصدقت الترجمة فقط، في انتخاب رئيس الجمهورية وفي تكليف رئيس الحكومة
بينما في الامور الاخرى الاساسية تم نزع صفة الاستعجال الفوري، والدخول في استرخاء سياسي غير مبرر، تم تجاوزه بشق النفس. وما بين التكليف وتأليف الحكومة قـُتل شهر. وما بين التأليف وانجاز البيان الوزاري، قـُتل شهر ثان. وما بين تأجيل تقسيمات الدوحة و٢٥ ايلول كموعد نهائي لاقرار قانون انتخابي شامل التقسيمات والاصلاحات قـُتل شهر ثالث!
الوقت المهدور بلا جدوى يبدو واضحا، ليس على المستوى العام فحسب، بل على مستوى معتمدي هذا النهج، حيث جاءت النتائج عكسية على هؤلاء، فلا مكـّنهم ذلك من تحقيق اي مكتسبات في ما خصّ الحقائب الوزارية وماهيتها واهميتها سياديا وخدماتيا. ولا مكـّنهم التحايل اللغوي من ترحيل المقاومة وحقها في التحرير، عن البيان الوزاري. وآخر المآثر، محاولة ابعاد كأس التقسيمات وتأجيلها، قادتهم الى الالتزام بالموعد النهائي في ٢٥ ايلول.
يقود ذلك الى السؤال اولا عن موجبات قتل الوقت، والام يمهد ذلك، وهل يرتكز على امور مكتومة واهداف مرسومة لم يحن اوان الكشف عنها بعد، وما هي حقيقة اصرار الموالاة على ربط الاصلاحات بالتقسيمات الانتخابية؟ ثم هل الاصلاحات من حيث الاساس حجة مقنعة، ليس للمعارضة، بل للموالاة قبل المعارضة؟ وهل هذا الربط محصور فقط بالاصلاحات ام انه يتصل بما قاله نائب المستقبل احمد فتفت اثناء مناقشة اقتراح النائب امين شري، عندما ربط التقسيمات بالسلاح، ولم يكن ذلك زلة لسان، حيث قال »الطمأنينة مطلوبة.. هناك تقسيمات، وهناك اصلاحات.. وهناك موضوع السلاح«؟.
في تقدير مصادر سياسية واسعة الاطلاع، ان كل هذا التعمد في الاطالة وفي المماطلة وفي ايصال الامور الى عنق الزجاجة ومن ثم اخراجها ثم ادخالها مجددا، يحمل بداخله مجموعة اهداف بعضها ذو طابع تكتيكي له علاقة بالاداء اليومي لهذا الفريق على الساحة السياسية، ومحاولة استعادة المعنويات امام الجمهور، وتظهير قدرته على الرفض والقبول والتسهيل والعرقلة والقفز فوق نتائج ٧ ايار. وكل ذلك يدور في ظل هدف وحيد هو استيعاب ضربة ٧ ايار ، التي اصابت هذا الفريق وحلفاءه العرب والاميركيين بـ»الدوخة السياسية«. وبعضها الآخر له بعد استراتيجي، بحيث تبدو قاعدة التحرك متركزة على عدم التسليم بضربة ٧ ايار لا من الفرقاء الداخليين، ولا من حلفاء الاعتدال على وجه الخصوص. لكن اللافت ان هذ التحرك يقترب من محاولة تكرار الخطأ الذي قاد الى ٧ ايار، بافتعال توترات سياسية ومذهبية متنقلة من طرابلس والشمال الى بيروت والبقاع والمناطق المشتركة.
وبدا واضحا ان حركة بعض السفراء والدبلوماسيين في اتجاه الشمال، والنبرة المذهبية التي رافقتها، والتوترات التي اعقبتها، الى جانب »الرعاية المباشرة« لاطاحة وثيقة التفاهم بين »حزب الله« والتيار السلفي، تندرج كلها في اطار التظهير الصريح لاستمرار الصراع، وصولا الى قلب الوقائع و النتائج الكبرى التي افرزتها الدوحة. وفي طليعة تلك النتائج، تأتي التقسيمات الانتخابية، التي تشكل بالنسبة الى ١٤ اذار جرعة سم قاتلة فيما لو طبقت بحسب دوائر قانون ،١٩٦٠ بحيث تفقدها اعز ما تملك، اي الاكثرية وبالتالي تخرجها من الحكم وتدفع الحلفاء، وخصوصا المعتدلين، الى خارج الساحة، يعني عمليا انهيار بنيان الاكثرية.
ومن هنا ترى المصادر صعوبة في قبول هذا الفريق ان يتجرع السم او يتصرّف ازاءها كخروف ذاهب الى الذبح برجليه ويسلـّم رقبته طوعا للجزار، ومن الطبيعي ان يحاول ابعاد الكأس ورفع السكين عن رقبته، وتحقيق اكبر قدر من المكاسب. وبالتالي دفع الامر الى الامام. من هنا تأتي مطالبته بدمج الاصلاحات بالتقسيمات، بهدف تحقيق هذه الغاية.
المثير في مجال الاصلاحات، ان ليس في الامكان اعطاءها صفة الذريعة الجدية، اذا ما تم النظر الى ماهيتها ومن تفيد اكثر الموالاة او المعارضة. فالاصلاحات الفعلية ليست بتعديل طريقة اقتراع الناخبين، او الاقتراع امام العازل او خلف العازل، ولا في استبدال البطاقة الانتخابية ببطاقة الهوية الجديدة غير القابلة للتزوير، ولا بتخفيض سن الاقتراع الى ١٨سنة، وهو اصلا محل خلاف مبدئي لما يسببه من خلل بين المسلمين والمسيحيين. ولا في تصويت المغتربين المتخذ كمادة »تمريكية«، يدرك اطراف التمريك استحالة تطبيقها والاسباب لا تحصى في هذا المجال. فالاصلاحات المطلوبة محصورة بضبط الانفاق الانتخابي وكيفية منع الرشى وشراء الاصوات، وبضبط الاعلام الانتخابي. ومعلوم ان المعارضة لا تملك بيوت المال، واقصى حدود الصرف لدى مرشحيها »تضييف قهوة وشاي ولحم بعجين«. بينما الامر يختلف في الجانب الآخر، فبيوت المال مفتوحة على مصراعيها منذ الآن. وبالتالي هذا المطلب هو اول ما تسعى المعارضة الى تحقيقه. واما ما خص الاعلام الانتخابي، فللمعارضة اعلامها، لكنه لا يزن شيئا امام الامبراطورية الاعلامية في الجانب الآخر. ولنفرض هنا ان تم تنظيم الاعلام الداخلي، وتم وضع قيود على الاعلام الداخلي، فكيف ستضبط الاعلام الخارجي المحسوب على الموالاة، ومنها على سبيل المثال قنوات فضائية لعبت وما تزال الدور البارز والاساسي في التحريض والشحن السياسي والمذهبي؟
لا تقلل المصادر من حساسية الامر الانتخابي، كما لا تقلل من اهمية ما انجزته اللجنة النيابية للادارة والعدل باقرار التقسيمات الانتخابية وفق قانون العام ،١٩٦٠ ففي نظرها ان ذلك لا يعني نهاية الطريق، فالمشوار ما يزال في اوله. والعبرة ليست في اقرار القانون في ٢٥ ايلول ، بل في اجراء الانتخابات بحد ذاتها صيف العام ،٢٠٠٩ عندها يمكن النوم على حرير.
——————————————————————————–
- جريدة السفير .








