حسن م. يوسف : الثعلب يعظ!
ضحكت كما لم أفعل خلال الأشهر الثلاثة الماضية، عندما قرأت ترجمة مقال نشر في «يديعوت أحرونوت» يهدد فيه أولمرت الرئيس الروسي ميدفيديف بأن يقوم «بتدمير الأسلحة الروسية في سورية» فيما لو زودت روسيا سورية بالصواريخ. وما أضحكني حقاً ليس تهديد أولمرت بالتدمير، فالكيان الصهيوني كان ولايزال منذ تأسيسه، حالة تهديد مستمرة لكل ما من شأنه أن يساعد العرب على أن يكون لهم مكان تحت الشمس.
ما أضحكني حقاً ليس ثقة أولمرت بقدرته على تدمير الصواريخ السورية، رغم أنها ثقة مضحكة حقاً، ما أضحكني فعلاً هو قول أولمرت إن استيراد سورية للصواريخ وقيام كيانه الغاصب بتدميرها يعني «تبديد مليارات الدولارات هباء»!
ما أضحكني على وجه التحديد هو إشارة أولمرت إلى أنه معني بشكل ما بعدم تبديد دولاراتنا، وهذه بالفعل أكثر النكات فجاجة من بين كل النكات الفجة التي سمعتها طول عمري!
عندما سمعت هذه النكتة تذكرت ما قاله الصديق الراحل سعد الله ونوس في واحدة من آخر المقابلات التي أجريت معه قبل رحيله، قال سعد الله بالحرف الواحد وكان في ذلك يعبر عن ضمير كل مواطن سوري وعربي: «وأنا على التخوم الرجراجة بين الحياة والموت، أعتقد أن إسرائيل قد سرقت السنوات الجميلة من عمري ـ أقولها بالمعنى الحقيقي لا بالمعنى المجازي ـ وأفسدت على إنسان عاش خمسين عاماً الكثير من الفرح، وأهدرت الكثير من الإمكانات. وأنا أعتبر نفسي محظوظاً لأن الآلاف غيري لم يتح لهم أن يتجاوزوا العشرين أو الخامسة والعشرين، سرقت أعمارهم وإمكانياتهم وحيواتهم في العدوانات المتكررة والمستمرة منذ أن بدأت هذه الفكرة الحمقاء والمناهضة لأبسط قواعد العدالة التاريخية؛ فكرة إقامة دولة إسرائيل في خاصرة الوطن العربي. لقد قرر الغرب أن يتخلص من بضع مشاكل وبضعة ذنوب، وأن يخفف ما يعانيه في ضميره من شعور بالمسؤولية، فوجد حلاً سهلاً هو أن يهيئ أرضاً لهؤلاء الذين ظلمهم وذبحهم وشردهم وعذبهم هو بالذات… أن يهيئ لهم أرضاً خارج أوروبا، على حساب شعب آخر يطردونه من أرضه ويقيمون هذه الدولة التي هي إسرائيل».
هزلت! نعم هزلت! لقد اختلطت المعايير لدرجة أن فاسداً على وشك أن يطرد مثل أولمرت بات يسمح لنفسه أن يعبر عن حرصه على أموال سورية!
الشيء الوحيد الذي حضر إلى ذهني وأنا أفكر بهذه المهزلة هو قصيدة لا أذكر لمن هي، حفظتها مذ أن كنت طفلاً: «برز الثعلب يوماً / في ثياب الواعظينا / فمشى في الأرض يهدي / ويَسُبّ الماكرينا / ويقول: الحمد لله / إله العالمينا / يا عباد الله، توبوا / فهو كهف التائبينا / وازهدوا في الطير؛/ إن العيش عيش الزاهدينا / واطلبوا الديك يؤذن / لصلاة الصبح فينا/.
هنا ثمة أبيات لا أذكرها، إلا أنني أذكر أن الثعلب حاول أن يأكل الديك المؤذن… «فأجاب الديك»: عُذراً… يا أضل المهتدينا / بلغ الثعلب عني / عن جدودي الصالحينا / عن ذوي التيجان ممن / دخل البطن اللعينا /أنهم قالوا وخيرُ القول / قولُ العارفينا / مخطئ من ظن يوماً / أن للثعلب دينا».









