في الذكرى الثلاثين للتغييب: نخاف من فضيحة واقعنا، يا سيد!
طلال سلمان -
——————————————————————————–
تفرض الذكرى الثلاثون للجرح المفتوح بالوجع بعضاً من صفاء الروح
تمهيداً لاستعادة لغة المصالحة مع الذات عبر »الآخر«، الأخ الشقيق، شريك الطموح والأمل والحق في حياة طبيعية في »وطن« لا تتهدده الفتنة بمخاطر التقسيم أو التفتيت بسبب التناقض في الأغراض أو التعارض في مصالح »أصحاب القرار«.
ثلاثون سنة من انتظار من يستحق أن ننتظره، لكثافة ما يرمز إليه حضور السيد موسى الصدر كإمام قائد، ولخطورة ما يرمز إليه تغييبه كشهيد حي معلق على صليب الجريمة الكاملة التي تمت في حضور العالم كله، وقد عرف ورأى وسمع ثم امتنع عن المحاسبة والإدانة لأن المصالح أغلى من الدماء مهما سما مقام أصحابها، ولأن »الدول« لا تهتم لأحزان الشعوب واضطراب أحوالها بتغييب رواد الوحدة والإصلاح وحملة مشاعل الغد الأفضل.
هي الذكرى الثلاثون، إذن، أيها السيد الإمام…
وقليلة هي المآسي الإنسانية، عبر التاريخ، التي تعيش في الوجدان كما في السياسة، مثل هذا الدهر الطويل وتبقى مؤثرة وفاعلة في الأحداث والمواقع وأدوار الرجال وأحوال المجتمع، في الحاضر والمستقبل.
لكن مأساتنا بتغييب الإمام القائد متعددة الأبعاد، تتصل بشخصه ودوره بداية، ثم بافتقاده مع اشتداد الحاجة إليه، وأخيراً بالوقوعات التي تزلزل مجتمعنا وتجعلنا نستشعر الخجل ازاءه لبؤس واقعنا ولعجزنا عن حماية وحدتنا ولسقوطنا في مهاوي التعصب والانغلاق والتباعد والتنافر وهي قد فتحت أمامنا أبواب جهنم الفتنة بالتقسيم أو التفتيت أو الانتحار الجماعي.
لو أطل علينا موسى الصدر، اليوم، لأصابه الفزع من هذه الردة التي تكاد تشمل حياتنا بوجوهها المختلفة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية: فالصراع المذهبي يكاد يغتال الدين، والتنافس على مواقع النفوذ لا يتورع عن استخدام الأسلحة المحرّمة جميعاً (التحريض الطائفي المكشوف، تزوير الحقائق، تبرئة العدو وإدانة الأخ الشقيق، تحقير الصديق واستعداء الحليف بالمصلحة، التحريض المفتوح على الاشتباك باعتباره استثماراً مجزياً إلخ…).
سيفزع الإمام القائد من أن تكون الطبقة السياسية قد اغتالته، مرة ثانية، وطمست تاريخ نضاله من أجل اعتراف الكل بالكل، كمواطنين في دولة واحدة، وحاولت تشويه مقاومة العدو والتشهير بها وكأنها ـ المقاومة لا إسرائيل ـ مصدر الخطر على الوحدة الوطنية وسلامة الكيان ووحدة الشعب.
وسيفزع »السيد« من أن تكون الطبقة السياسية قد توافقت على إيقاف نمو »الشعب« بالأمر! وعلى التمكين للفتنة بالديموقراطية!! وعلى اغتيال المستقبل بتمزيق وحدة البلاد.
لقد أصدرت هذه الطبقة السياسية أمرها بأن يرجع »الشعب« القهقرى إلى قانون الستين، وهو أمر لا يختلف في جوهره عن إعادة تجديد فتنة الستين الأولى…
وسيفزع »السيد« من أن تكون الجثث قد باتت، قبل المال ومعه وبعده، هي محور التنافس »الديموقراطي«: كل يحمل على كتفيه شبح جثة أو أكثر، ويذهب إلى الناس فيبكي ويستبكي وهو يطلب أصواتهم انتقاماً، أو اقتصاصاً أو ردعاً أو إشفاقاً وتعويضاً وثأراً للمغدورين، وكأنه قد حصر إرثهم في شخصه الكريم، في حين أن الناس، كل الناس، أي الشعب هو »ولي الدم«، وهو من يثأر ـ بالموقف ـ لمن يتوجب الثأر له، وتوقيع العقاب على من يستحق العقاب…
إن صناديق الاقتراع ستكون، أيها الإمام القائد، أشبه بالتوابيت: كل جهة تنتخب من تثق بعدائهم للجهة الأخرى (الطائفة الأخرى، أبناء المذهب الآخر، أبناء الحي الآخر) بحيث تمهد النتائج لحرب مفتوحة على كل من وما يجمع ويوحد… مع الحرص دائماً على »الديموقراطية« وعلى حرية »الناخب« في أن يختار »عدوه«، وأن يعبر عن حريته بصوته… أما الوسائل الأخرى فما أسهل ما يمكن توفيرها وبالكميات المطلوبة (أسلحة فردية، أسلحة ثقيلة، بشرط ألا تقلق إسرائيل، تحريض بالحملات المفتوحة على من كانوا إخوة أشقاء فتحولوا بما يشبه السحر إلى أعداء وليس إلى مجرد مواطنين قد يختلفون، مرة، وقد يتفقون غالباً، على أمر سياسي عارض، في حين أنهم شركاء مصير واحد، في وطن واحد، له عدو واحد، وله مستقبل واحد يكون في وحدته أو لا يكون لأي منهم مستقبل).
والقاعدة التي قد تغلب، أيها الإمام القائد: من له جثث أكثر أو أكبر سيكون له نواب أكثر… ثم أن الاشتراك في العداء للآخر هو شرط في »امتحانات القبول« بأبناء الحي الآخر، أو البلدة الواحدة، فضلاً عن العاصمة ـ الأميرة، كجيران، أو كشركاء في البؤس تنوء مداخيلهم بأعباء حياتهم اليومية… وفي حين يتفرغون لتصادمهم مع الذات فإنهم لا يتنبهون إلى أنهم يعيشون بعض لياليهم في ضوء الشموع، وأنهم مع بدء شهر رمضان المبارك سيدفعون تكاليف وجباتهم البسيطة أضعافاً مضاعفة.
يكاد الخجل يمنعنا من إكمال سرد فصول مآسي حياتنا اليومية، يا سيد، على مسامعك في الغياب: لقد تهاوت أركان »دولتنا« يا سيد، بعد أن عمّ فيها الفساد المصفح بالطائفية، وتوزعها أصحاب النفوذ تارة باسم »العدالة في التوزيع«، وتارة بذريعة الحرص على حقوق »الأقليات« وطوراً باسم حق »الأكثرية« في القرار.
ولقد نصب أبطال المجازر الجماعية، وأنت تعرفهم واحداً واحداً يا سيد، أنفسهم »قضاة«، وأخذوا يصدرون الأحكام ويعطون لأنفسهم حق القرار في مصير الوطن وشؤون المواطنين، وفي العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء، ثم في الموقف من العدو: يدينون المقاومة التي أرست بعض دعائم وجودها ويدينون شهداءها الذين حموا بسيل من دمائهم هذا الوطن الصغير، الذي طالما أرادوا وهم يريدون الآن تزوير تاريخه انطلاقاً من »التكاذب حول الإمارات التأسيسية«، على حــــد ما قال الرئيـــس نبيه بري في خطابه أمام »حضورك« الطاغي برغم الغياب والـــذي يؤكـــده »جمهورك« الذي يتـزايد عدداً وقدرات مع كل فجر.
في ذكرى تغييبك الثلاثين نكاد نخجل من مواجهتك بواقعنا المأساوي يا سيد…
لكأنما يراد تغييب لبنان بشـــعبه ودولته، بإسقاط الماضي على الحاضر كجزء من خطة لكي نضـــيع عن هويتنا، ونضعف أمام عـــدونا بخروجنا من أهلنا وعلـــيهم.
لقد غيبوك قبل ثلاثين عاماً لعظيم خوفهم منك، يا سيد،
وها هم يحاولون ويعملون لتغييب وحدة هذا الشعب ووحدة هذا الكيان، بكل أسلحة الفتنة والتقسيم والتفتيت المحرمة…
لكننا على ثقة بأن إرادة الشعب في حماية حاضره ومستقبله تظل أقوى منهم…
كما أننا على ثقة من أن هذا الشعب يعرف أنه إنما يحفظك في وحدته، كما يحفظ وحدته بالتمثل بمسـيرتك الجهادية…
وسلام عليك في ذكـــرى حضــــورك البهي الذي لا تغيّبه حروب الطوائف ولا عاديات الأيام، مهما عظـــمت مخاطرها… فأنت في المستقبل، وأنـــت بفكرك ومنهـــجك وإيمانك الضمانة اليــوم وغداً كمــا كنـت دائماً.
——————————————————————————–
- جريدة السفير .









موسى الصدر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
By: الرشيدي on سبتمبر 12, 2008
at 2:13 ص