Posted by: إدارة موقع رأس كتان | سبتمبر 30, 2008

هل بات المطلوب استراتيجية أمنية مشتركة بين لبنان وسوريا؟

هل بات المطلوب استراتيجية أمنية مشتركة بين لبنان وسوريا؟
عماد مرمل
——————————————————————————–

تصوير (غسان ريفي)
تفجيرا دمشق وطرابلس: هذه هي الرسالة السياسية

تعددت الفرضيات الى حد التناقض في معرض محاولة تفسير خلفيات انفجار دمشق ومن ثم استهداف حافلة للجيش اللبناني للمرة الثانية في طرابلس خلال فترة قصيرة. وبدا واضحاً ان »الأهواء السياسية« تتحكم الى حد بعيد بطبيعة الاستنتاجات التي تحاول »فك رموز« هذه العمليات الارهابية.
وبمعزل عن ماهية الجهة او الجهات التي تتحمل مسؤولية هذه الرسائل الدموية هنا وهناك، إلا انه من الصعب الافتراض بأن المصادفة فقط هي التي جعلت دمشق وطرابلس تتلقيان صفعتين أمنيتين في وقت واحد تقريباً، وبالتالي يرجح الكثيرون أن خيطاً واحداً ـ سياسياً وربما عقائدياً كذلك ـ يربط بين ما حصل في هاتين المدينيتن.
وإذا كان المدنيون هم الذين دفعوا فاتورة الهجوم الاخير في دمشق، فإن الجيش اللبناني يواصل من جهته تسديد الفواتير المتتالية التي بدأت مع معركة نهر البارد، قبل ان تتخذ أشكالاً أخرى من خلال اغتيال فرنسوا الحاج وضرب الحافلات والمراكز العسكرية في الشمال على وجه الخصوص.
والمفارقة انه وبموازاة هذا الضغط الأمني الذي تتعرض له المؤسسة العسكرية، تُمنع هذ المؤسسة من الحصول على سلاح يحفظ بالحد الأدنى »ماء الوجه«، ويُحظر على أفرادها ممارسة حق الاقتراع، وتتعرض قيادتها من حين الى آخر لحملات داخلية تتهمها تارة بالخنوع وطورا بالتواطؤ.
وهناك من يرى ان الجيش يدفع في معركته ضد الارهاب ثمن بعض الحساسيات والحسابات المعقدة التي يتقاطع فيها الداخلي مع الاقليمي، بما يوفر الغطاء السياسي والمذهبي لقوى ومجموعات تستخدم »البيئة الشمالية« كممر او مقر لها في مواجهة متعددة الأضلع، هي أوسع بامتداداتها وخلفياتها من الساحة اللبنانية المحض، ولولا ذلك لكانت هوامش الحركة لدى المؤسسة العسكرية أكبر وأفعل مما هي عليه اليوم.
ولما كانت »الظنون« تتأثر الى حد كبير بـ»الاصطفافات السياسية«، ذهب البعض في لبنان الى الإيحاء بأن النظام السوري هو الذي يقف خلف تفجير السيارة المفخخة في دمشق لاستجرار العطف والدعم الدوليين ولإظهار سوريا بمظهر ضحية الإرهاب الذي يشكو منه الغرب. وعلى الإيقاع ذاته، المح أصحاب هذا التحليل الى ان استهداف الجيش في الشمال يشكل مصلحة سورية بالدرجة الاولى للتشويش على المصالحات الجارية ولإضعاف المؤسسة العسكرية بما يمنعها من ان تكون مرجعية الأمن في لبنان، وقد وجد هؤلاء في الحشود العسكرية السورية على الحدود مع الشمال بالتزامن مع انفجار طرابلس ما يعزز منطقهم السياسي وحسهم الجنائي.
تفتقر هذه الرواية في نظر آخرين الى أي مصداقية وهي تنتمي برأيهم الى فئة »الخيال العلمي« الذي لا يمت الى الواقع بصلة. أما الرواية المضادة، فتعتبر ان التفجير الانتحاري في دمشق مرتبط بالصفحة الجديدة من العلاقات بين سوريا والغرب، وقد أراد المسؤولون عن هذه العملية ان يكتبوا على المقلب الآخر من الصفحة ذاتها رسالة واضحة موجهة الى القيادة السورية وفحواها: لا تتوهموا أن بإمكانكم ان تعقدوا صفقة مع الغرب على حسابنا، ولا تظنوا ان بمستطاعكم ان تبيعوه ضمانات بحفظ الاستقرار في لبنان والعراق رغماً عنا.
ويعتقد أصحاب هذه النظرية، ان التفجير يتضمن رسالة أخرى موجهة الى أولئك الذين يستعجلون الانفتاح على دمشق لإبلاغهم ان سوريا التي لا تستطيع ان تحفظ أمنها الداخلي، ليست مؤهلة لصون الاستقرار خارج حدودها، وعليهم ألا يبالغوا في الرهان على دورها في هذا المجال، وبالتالي فهم يخطئون إذا افترضوا ان التعاون معها يشكل ممراً إلزامياً لتحقيق الامن الاقليمي في المنطقة.
بهذا المعنى، أراد المخططون ان يقدموا دليلاً قاطعاً على ان يدهم طويلة وقادرة على الضرب في العمق السوري، للتعبير عن فعاليتهم من جهة ولإضعاف مصداقية النظام أمام المجتمع الدولي من جهة أخرى، وما يسهل »أمر المهمة« هذا ان دولتين من دول الجوار وهما لبنان والعراق تعانيان من المتاعب الأمنية والسياسية، بحيث تشكلان »خاصرة رخوة« لسوريا، ويكفي ان يُعرف في هذا السياق ان هناك اربعة آلاف طن من المتفجرات ـ حسب التقديرات الاميركية ـ هي بمتناول مجموعات وقوى متعددة في العراق المشرّع الأبواب والنوافذ، بينما يعج الشمال اللبناني بفئات وأطراف تصنفها دمشق بأنها »معادية للنظام«، ما دفعها الى نشر أكثر من عشرة آلاف جندي على الحدود مع الشمال خلف ستار مكافحة التهريب.
ومن الواضح، ان الهجوم الذي وقع في أحد أحياء دمشق قبل أيام يختلف في الطريقة والخلفية عن عمليتي الاغتيال اللتين استهدفتا احد قادة المقاومة عماد مغنية والعميد في الجيش السوري محمد سليمان، ولعله يمكن القول إن مرحلة جديدة من الاستهداف بدأت على مستوى لبنان وسوريا بعد اتفاق الدوحة الذي جاء ليكرس تعديلاً جوهرياً في موازين القوى المحلية والإقليمية، وقد كان اغتيال القيادي في الحزب الديموقراطي اللبناني صالح العريضي مؤشراً الى ان قواعد جديدة للعبة الدم قد أرسيت.
ربطاً بهذا التحليل، يندرج الانفجار الثاني في طرابلس ضد الجيش في إطار الإبقاء على لبنان ساحة مفتوحة، معلقة في هواء الفوضى الأمنية التي تفرز مناخاً مؤاتياً لتبادل الرسائل، وهناك في المعارضة من يرى ان الاولوية الملحة الآن يجب ان تكون للمبادرة سريعاً ليس الى وضع» استراتيجية دفاعية« وإنما »استراتيجية أمنية« مشتركة مع سوريا، على قاعدة ان الخطر الاسرائيلي وخطر الارهاب يهددان الأمن القومي للبلدين اللذين أصبحا معنيين بإيجاد شبكة أمان موحدة في مواجهة هذين الخطرين، من دون ان يكون ذلك مدعاة للخجل لدى أحد في لبنان.

——————————————————————————–

- جريدة السفير .


اترك رداً

ردك:

التصنيفات