Posted by: إدارة موقع رأس كتان | سبتمبر 1, 2009

من يستخدم المحكمة الدولية في لعبة عض الأصابع؟

من يستخدم المحكمة الدولية في لعبة عض الأصابع؟

عماد مرمل  

 المعارضة تؤكد أن الاستدعاءات المسيسة لن تنفذ

ِفجأة، عادت المحكمة الدولية الى التداول السياسي بقوة، واستؤنف السجال الداخلي حولها، على وقع تقديرات وشائعات تتصل بما يمكن أن يصدر عنها في أيلول او بعده.

 ومع انسداد أفق تشكيل الحكومة، بدا ان المحكمة تحولت الى ورقة من أوراق الضغط في لعبة عض الأصابع المحلية والإقليمية، سعياً الى تحسين المواقع التفاوضية في الملف الحكومي.. وربما في ملفات أخرى.

والمفارقة أن لكل من المعارضة والأكثرية روايته الخاصة التي تلقي على الطرف الآخر تهمة زج عامل المحكمة في حساباته، لخدمة مصالحه ومصالح حلفائه الخارجيين، وكل ذلك انطلاقاً من فرضية جرى الترويج لها والبناء عليها منذ فترة، ومفادها أن مدّعي عام المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار بصدد أن يصدر في منتصف ايلول تقريراً حاسماً حول جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، سيكون متماهياً مع تقرير مجلة «دير شبيغل» الشهير الذي اتهم «حزب الله» بالتورط في الجريمة، فيما أشاع آخرون أن المحكمة ستطلب استدعاء شخصيات في الحزب والمعارضة للاستماع الى إفاداتها، وربما ايضاً للقبض عليها.

 

وبرغم أن المحكمة الدولية تنصلت من كل هذه السيناريوهات ووضعتها في خانة التكهنات التي لا علاقة لها بأي منها، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتبريد حرارة السجال الداخلي المستجد، بل إنه واصل منحاه التصاعدي مستعيداً أدبيات مرحلة تأسيس المحكمة وما رافقها من اتهامات متبادلة ومحاكمات مفتوحة للنيات قادت البلد الى أزمة سياسية مكلفة، ظلت تتوالى فصولاً، حتى بلغت حد الصدام.

 

وبهذا المعنى، يبدو أن البعض لم يتعلم من دروس المرحلة الماضية، بل هو يعيد إنتاج أدبياتها ولغتها، علماً بأن أحداً لا يملك معلومات دقيقة عما يجول في رأس بلمار وما الذي سيفعله. ومع ذلك، هناك من يحاول استخدام مروحة الاحتمالات المتداولة «عن سابق تصور وتصميم» في سياق الابتزاز السياسي وشد الحبال حول الحكومة، لحشر الخصم ودفعه الى التنازل عن مقعد وزاري هنا او اسم هناك، برغم المخاطرة الكبرى التي تنطوي عليها مثل هذه اللعبة المفتوحة على محاذير الفتنة.

 

أساساً، كان فريقا المعارضة و14 آذار قد تحسبا لكل الاحتمالات عبر «خطة وقائية»، تجلت بوضوح في أعقاب الإفراج عن الضباط الأربعة. يومها قالت المعارضة، وفي طليعتها حزب الله، إن إطلاق سراح الضباط ليس دليلاً كافياً على عدم تسييس المحكمة وإنما هو تصحيح لخطأ فادح أصبح يشكل عبئاً عليها ولم يعد ممكناً الاستمرار في تغطيته، وبالتالي فإنه من غير الجائز الركون سلفاً الى ما يمكن أن يصدر عن المحكمة مستقبلاً، إذ ماذا يضمن انها لن تكرر الخطأ الذي ارتكبته حين جرى اعتقال الضباط الأربعة تعسفاً. لقد تجنبت المعارضة إعطاء براءة ذمة الى المحكمة وحافظت على الحيطة والحذر حيالها، لئلا تصبح ملزمة لاحقاً بمنح الشرعية التلقائية لقراراتها وأحكامها المقبلة.

 

في المقابل، تعاملت الموالاة، وعلى رأسها رئيس تيار المستقبل سعد الحريري مع قرار المحكمة بالإفراج عن الضباط الأربعة وفق مقاييس مختلفة تماماً. حينها خرج الحريري ليقول إنه يتقبل كل إجراء تتخذه المحكمة بمعزل عن عواطفه وآرائه لأنه يثق في عملها، رافضاً المساس بمصداقيتها ونزاهتها وداعياً الفريق الآخر الذي ابتهج بإطلاق سراح الموقوفين الى ان يحذو حذوه بتقبل أي قرار او حكم قد يصدر عن المحكمة الدولية لاحقاً. آنذاك، تجرع الحريري الكأس المر، ولكنه كان يردد في قرارة نفسه: المهم من يضحك أخيراً…

 

وهكذا، تحصن كل طرف خلف خطوطه وتحصيناته، مترقباً الآتي. وفجأة، انفجرت قنبلة تقرير «دير شبيغل»، وكادت شظاياها تصيب مقتلا في لبنان، ولكن النائب وليد جنبلاط سارع الى احتواء أضرارها وأخرج من مستودعات الحرب الأهلية بوسطة عين الرمانة «لاستخلاص العبر»، ولاقاه في هذا الموقف سعد الحريري. ومع ذلك، تبين شيئاً فشيئاً أن التقرير المشار اليه زرع «عبوة موقوتة» في الشارع اللبناني المحتقن مذهبياً، يمكن تفجيرها لاسلكياً عن بُعد، بواسطة « الريموت كونترول» السياسي والمخابراتي، ومن أي عاصمة إقليمية او دولية ترغب في إشعال حريق الفتنة، إذا لم تتوافر عناصر المناعة المطلوبة على المستوى الداخلي.

 

وفي هذا الإطار، تحول التقرير المفخخ الى جزء من أدبيات التخاطب السياسي الداخلي، وشكل نوعاً من الضغط المعنوي على المعارضة عموماً و«حزب الله » خصوصاً. ومع اصطدام محاولات تشكيل الحكومة الجديدة بعُقد شتى يختلط فيها المحلي بالخارجي، تم استحضار المحكمة مجدداً باعتبارها «العقدة المخفية» التي تمنع إنجاز عملية التأليف.

 

ترى الأكثرية أن المعارضة تشن حملة منظمة على المحكمة الدولية، وفق توزيع دقيق للأدوار وآلات العزف بين شخصياتها وقواها، بإدارة المايسترو السوري، وذلك في إطار حملة استباقية تهدف الى التشكيك المسبق بما يمكن ان يصدر عن المحكمة عاجلاًً أم آجلاً، أما الحكومة المنشودة فقد تحولت الى رهينة لهواجس المعارضة ودمشق اللتين لا تريدان تقديم تسهيلات مجانية في التأليف، فيما شبح المحكمة يحوم حولهما.

 

وتستدل الأكثرية على صحة استنتاجها بتناوب مجموعة من الشخصيات على انتقاد المحكمة في توقيت واحد، بدءاً من عضو المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي مروراً بناصر قنديل ووئام وهاب، وصولاً الى جميل السيد، بينما رُفعت «بصمات» وزير الخارجية السوري وليد المعلم عن الحملة، عندما قال صراحة إن تصريحات السيد بيّنت أن التحقيقات التي أجراها ميليس كانت كلها مبرمجة ضد سوريا.

 

تنقلب الصورة رأساً على عقب في عيون المعارضة التي تعتبر أن الصعوبات أمام تشكيل الحكومة ناتجة عن رفض الاستجابة لمطالب العماد ميشال عون المشروعة، وإذا كان هناك من يجب ان يُسأل عن توظيف المحكمة للضغط فهو بعض فريق 14 آذار الذي ينتظر بعضه تطوراً ما في ملف التحقيق الدولي، من شأنه، وفق توقعاته، أن يساهم في تغيير المعادلة القائمة حالياً وصولاً الى إضعاف المعارضة وسوريا، ما يتيح إشراك «حزب الله» وعون في الحكومة وفق شروط الحريري وليس العكس.

 

تؤكد المعارضة أن لا رابط منهجياً أو سياسياً بين إطلالات عدد من شخصياتها مؤخراً، فاللواء السيد عقد مؤتمره الصحافي لمناسبة الذكرى الرابعة لاعتقاله، وقنديل أدلى بدلوه لمناسبة ذكرى توقيفه، والوزير المعلم تناول مسألة المحكمة رداً على سؤال، مع ملاحظة أن الردود على هؤلاء، ولا سيما تلك التي تناولت اللواء السيد إنما قفزت فوق الوقائع والحقائق التي أثارها واستغرقت في الشكل على حساب المضمون، وبالتالي فإن من يجيب سياسياً على كلام موثق، يكون هو الذي يسيس المحكمة.

 

وهناك في المعارضة من لا يخفي خوفه من الفتنة وليس من المحكمة بحد ذاتها، إذا قررت بعض القوى الدولية الذهاب حتى النهاية في اتهام «حزب الله»، او في إثارة الشبهة حوله من خلال استدعاءات معينة، كبديل متاح عن الحرب المتعذرة، منبهة الى أنه وحتى تثبت براءة الحزب فإن المساحة الفاصلة بين الاتهام والبراءة ستُملأ بالفوضى وربما ستبلل بالدم، وهذا ما تنبه اليه جنبلاط باكراً وقرر أن ينأى بنفسه عنه، آملاً في أن يتفادى الآخرون خوض مثل هذه المغامرة.

 

ويشدد العارفون في المعارضة على ان أي استدعاءات مسيسة قد تعمد اليها المحكمة الدولية لن تكون قابلة للتنفيذ في لبنان، لأن المعنيين بها لن يخضعوا الى الضغط والابتزاز ولن يسمحوا بتكرار سيناريو الضباط الأربعة مرة أخرى.

 

 

——————————————————————–

 

” جريدة السفير “

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: