Posted by: إدارة موقع رأس كتان | سبتمبر 13, 2009

حرائق استراتيجية «القوة الناعمة» الأميركية

رائق استراتيجية «القوة الناعمة» الأميركية


مين حطيط  

 

تفاءل البعض بسياسة التغيير الأوبامي لاستراتيجية اميركا في العالم، وانتقالها من القوة الصلبة التي تترجم بالحروب المخططة والمنفذة على يد تحالفات عسكرية يقودها الجيش الاميركي، الى القوة الناعمة/الذكية

 

التي تترجم بمؤتمرات وحوارت و تحالفات سياسية الظاهر عسكرية المضمون، تقودها الدبلوماسية الاميركية التي توزع الأدوار لحلفائها ضمن خطة محكمة تكون بحاجة في تنفيذها لأمرين: إخفاء الأهداف الاستراتيجية الحقيقية النهائية للخطة لمنع الاعتراضات عليها، ثم تسهيل التنفيذ بأقل قدر ممكن من الخسائر، مع التحضير العسكري للنزول الى الميدان في نهاية المطاف لتكريس الواقع الذي تكون آلت اليه مسيرة التنفيذ.

 

وقد برعت أميركا/الأوبامية وبتنسيق متقن مع الصهيونية الاسرائيلية في إعمال «استراتيجية القوة الناعمة» التي وضع لها هدفان استراتيجان كبيران:

 

ـ تثبيت النفوذ والسيطرة الاميركية في المنطقة بعد إخراج الجيوش الاميركية من ميدان القتال وتحويلها الى حرس لذاك النفوذ، ما يوفر عليها الخسائر و المعاناة.

 

ـ تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، وطي ملف تاريخي اسمه فلسطين بما فيه من عبارات اللاجئين، وحق العودة، وغيرها من تفاصيل تزعج المغتصب.

 

وفي السنة الأولى للتطبيق، كانت أميركا بحاجة الى إعمال الإشغال والإلهاء لحجب الخطة والحؤول دون مواجهتها في بداياتها، وهذا ما قامت به بالفعل في أربع مناطق اساسية من الإقليم، اذا انها بعد ان فرغت من حبك العلاقة الاستراتيجية مع الهند انصرفت مباشرة الى ميادين اختارتها لمشاريع فتن وحرائق تطلق الدخان السياسي الحاجب للنوايا الاستراتيجية الاصلية. والآن وبعد تسعة اشهر من العمل ماذا كانت النتائج؟

 

1ـ في إيران توخت اميركا من «التدخل الذكي» البعيد عن الأنظار في الانتخابات الرئاسية، ضرب الوحدة الوطنية الإيرانية و زعزعة هيبة الولي الفقيه، وهدم الجدار النفسي الذي اقامته الثورة مع عالم «الشيطان الأكبر»، لكن نتائج التدخل و«الحريق الإيراني» لم تستطع ان تدفع ايران الى حال من الانهيار الداخلي الذي يمنعها او يشغلها عن متابعة مصالحها في الشرق الاوسط، بدءاً من العراق وتمدداً الى كل دول الاقليم في ما يصطلح عل تسميته بالمسرح الاستراتيجي الاميركي الكبير. لقد ادت الاحداث التي اعقبت تلك الانتخابات الى خسائر معينة في المواطن التي ذكرت، لكنها خسائر ظهرت محدوديتها، كما أظهرت إيران قدرتها على الاحتواء، ثم الانصراف الى متابعة ما كانت تلاحقه من ملفات ومصالح، وفي موقفها الاخير من الملف الايراني ـ الموقف الايراني المرن والحازم ـ ظهر ان مشروع فتنة ما بعد الانتخابات لم يحقق الأهداف الاميركية في ايران.

 

2ـ وفي العراق كانت اميركا في الأصل خططت لفتن اهلية وحرائق مدنية تعقب إعادة انتشار قواتها وخروجها من المناطق الآهلة، ولكن فوجئت بالاندفاعة العراقية نحو كل من سوريا وإيران الى الحد الذي راح الحديث فيه الى ملامسة البحث في اطار استراتيجي يجمع الدول الثلاث ومعها تركيا، هنا حصل التفجير الإرهابي الذي طال المراكز الرسمية والمدنيين في بغداد، وأعقبه موقف نوري المالكي الذي فاجأ العالم باتهامه لسوريا باحتضان الإرهابيين، وبمطالبته بمحكمة دولية من اجل ذلك. ولكن سوريا وعلى عادتها وصبرها استوعبت الموقف العراقي اولاً ولم تنجر الى اشتباك سياسي او اكثر مع نوري المالكي، لأنها تعلم الخلفية وتدرك الدور الاميركي في التخطيط والتحريض وتركت للعراقيين أنفسهم أن يردوا على من استمع لأميركا و«هجم على سوريا». وكان الرد ايضاً مخيباً لأميركا، حيث جاء اولاً من هيئات المجتمع المدني العراقي عبر ما توجهت به هذا الهيئات الى سوريا وقيادتها ببيانات التأييد لها والشجب لموقف المالكي، ثم كانت الضربة القاسية بيد مجلس الرئاسة العراقي الذي انكر على المالكي تفرده بالموقف متجاوزاً صلاحياته، وطرح الحوار والاتصال المباشر طريقاً لبحث العلاقات مع «الصديقة الشقيقة» سوريا على حد تعبيرهم. اميركا شاءت نزاعاً بين العراق وسوريا من شأنه الضغط على الاخيرة، ولكن النتيجة جاءت مخيبة للآمال الاميركية ولم تنفجر الحدود الميدانية او السياسية كما كان في الخطة.

 

3ـ اما في اليمن، وبعد ان اوحت السياسة الاميركية الى علي عبد الله الصالح بأن مصلحته بأن يتخلى عن الاتفاق مع «الحوثيين» لأنهم كما تزعم اميركا «يخططون للانفصال وتهديد وحدة اليمن وما يتصل بها من نتائج على استقرار السعودية ووحدتها»، انصاع لها وفجر الوضع مع جزء من شعبه لا يطالب إلا بالحقوق التي هي اصلاً لكل مواطن سواء في المسائل الاجتماعية او الحرية العقائدية الدينية، والآن وبعد مضي الاسابيع المتلاحقة على «الحرب والدمار في صعدة» يبدو ان الجيش اليمني يقترب من التعب والعجز عن متابعة «الحرب»، ويبدو ان الحوثيين باتوا في وضع من التماسك والتصلب في وجه السلطة اكثر مما كانوا عليه قبل الحرب، وسيضطر الجيش ان يوقف عملياته بعد افتضاح عجزه، ما قد يغري فئات اخرى في اليمن بالتحرك ضد السلطة والجنوب اليمني ينتظر … أما أميركا المشرفة على رئيس اليمن وسياسته فسترى ان أداتها لم تنفذ مشروعها بما يذكّر بما حصل في لبنان في السنوات الأربع الماضية.

 

4ـ و نخلص الى لبنان، الذي عادت اميركا لتحريك وضعه من باب تشكيل الحكومة، وهي بعد ان امرت من يستمع اليها بالتسويف انتظاراً لأيلول وما يحمل من معالجة لملفات اسياسية تعني اميركا، تسويف بقصد كسب الوقت حتى يتخذ الموقف المناسب في لبنان على ضوء نتائج تلك الملفات، قررت تأزيم الوضع اللبناني.

 

«النار» التي تريدها اميركا في لبنان لها غايتان، الإشغال عما يجري للقضية الفلسطينية من تصفية، تماماً كما كانت حرب 1975 للإشغال عما بدأه السادات من صلح منفرد، وثانياً جعل التوطين مطلباً لفئة لبنانية «ليستعان بالفلسطينيين» على الآخرين من اللبنانيين. فيفرض التوطين من غير قدرة حقيقية على المواجهة والمنع. لكن وكما يبدو حتى الآن، تعثرت الخطة الاميركية في لبنان، ولا أقول فشلت او سقطت، اذ من المبكر الحكم عليها بذلك.

 

أميركا تلعب على المسرح المشرقي، وتحرق هنا وتلقي الفتن هناك، من اجل تمرير مشروعها الاستعماري، وتصفية القضية الفلسطينية التي يقول ليبرمان عنها إنها ماتت اليوم، ولهذا وفي اقل من تسعة اشهر فجرت مناطق اربع، وبيد اهل تلك المناطق، والمستقبل يحمل المزيد، والسؤال هل ستصل الى اهدافها؟

 

هنا نقول ما حدث حتى الآن من نتائج لا يوحي بشكل حتمي بنجاح اميركي أكيد و لكنه لا يحسم هزيمة أميركية واضحة، فالخطة مستمرة، و«استراتيجية القوة الناعمة»: لا زالت من حيث التطبيق في بداياتها، وإن كانت هذه البدايات غير مشجعة لأميركا بالاستمرار، الا انها ليست مثبطة للعزيمة الاميركية في المتابعة.

 

 

——————————————————————————–

 

– جريدة السفير .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

التصنيفات

%d مدونون معجبون بهذه: